فهرس الكتاب

الصفحة 2241 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): الْآيَات 57 إِلَى 58]

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)

وَهَذِهِ الْآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنَّصَارَى فِيهَا، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَة نَصَارَى فيهزأوا بِالدِّينِ.

وَقَدْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْيَهُودِ إِلَى الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ وَهِيَ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا) إِلَخْ لِمَا فِي الصِّلَة من الْإِيمَاء إِلَى تَعْلِيلِ مُوجِبِ النَّهْيِ.

وَالدِّينُ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْمَرْءُ مِنْ عَقَائِدَ وَأَعْمَالٍ نَاشِئَةٍ عَنِ الْعَقِيدَةِ، فَهُوَ عُنْوَانُ عقل المتديّن وروائد آمَالِهِ وَبَاعِثُ أَعْمَالِهِ، فَالَّذِي يَتَّخِذُ دِينَ امْرِئٍ هُزُؤًا فَقَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْمُتَدَيِّنَ هُزُؤًا وَرَمَقَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ، إِذْ عَدَّ أَعْظَمَ شَيْءٍ عِنْدَهُ سُخْرِيَةً، فَمَا دُونُ ذَلِكَ أَوْلَى.

وَالَّذِي يَرْمُقُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَيْسَ جَدِيرًا بِالْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْمُوَالَاةِ التَّمَاثُلُ فِي التَّفْكِيرِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ وَالِاسْتِخْفَافَ احْتِقَارٌ، وَالْمَوَدَّةُ تستدعي تَعْظِيم الْوَدُود.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ ضَحِكُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقْتَ سُجُودِهِمْ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا إِذَا نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ قَالُوا: صِيَاحٌ مِثْلُ صِيَاحِ الْعِيرِ،

وَتَضَاحَكُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.

وَقَوْلُهُ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

وَذِكْرُ هَذَا الشَّرْطِ اسْتِنْهَاضٌ لِلْهِمَّةِ فِي الِانْتِهَاءِ، وَإِلْهَابٌ لِنُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُظْهِرُوا أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، لِأَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِ الِامْتِثَالُ.

وَلَيْسَ لِلشَّرْطِ مَفْهُومٌ هُنَا، لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنْشَاءٌ وَلِأَنَّ خَبَرَ كَانَ لَقَبٌ لَا مَفْهُومَ لَهُ إِذْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمَوْصُوفُ بِالتَّصْدِيقِ، ذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ التَّقْوَى لَا يَنْفِي الْإِيمَانَ عِنْدَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ فَهِمُوا مَقْصِدَ الْإِسْلَامِ فِي جَامِعَتِهِ حَقَّ الْفَهْمِ.

وَإِذَا أُرِيدَ بِالْمُوَالَاةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْمُوَالَاةُ التَّامَّةُ بِمَعْنَى الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ فَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى، أَيِ الْحَذَرِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا نُهُوا عَنْهُ مُعَلَّقٌ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِوَجْهٍ ظَاهِرٍ.

وَقَوْلُهُ: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) تَحْقِيرٌ لَهُمْ إِذْ لَيْسَ فِي النِّدَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ مَا يُوجِبُ الِاسْتِهْزَاءَ فَجَعْلُهُ مُوجِبًا لِلِاسْتِهْزَاءِ سخافة لعقولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت