فهرس الكتاب

الصفحة 2220 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): آيَة 48]

(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48)

وَالْكِتَابُ الْأَوَّلُ الْقُرْآنُ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ.

وَالْكِتَابُ الثَّانِي جِنْسٌ يَشْمَلُ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ.

وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى حَالَتَيِ الْقُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِبَعْضِ مَا

فِي الشَّرَائِعِ مُقَرِّرٌ لَهُ مِنْ كُلِّ حُكْمٍ كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ كُلِّيَّةً لَمْ تَخْتَلِفْ مَصْلَحَتُهُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْأَزْمَانِ، وَهُوَ بِهَذَا الْوَصْفِ مُصَدِّقٌ، أَيْ مُحَقِّقٌ وَمُقَرِّرٌ، وَهُوَ أَيْضًا مُبْطِلٌ لِبَعْضِ مَا فِي الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ وَنَاسِخٌ لِأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كُلِّ مَا كَانَتْ مَصَالِحُهُ جُزْئِيَّةً مُؤَقَّتَةً مُرَاعًى فِيهَا أَحْوَالُ أَقْوَامٍ خَاصَّةٍ.

وَقَوْلُهُ: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) أَيْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فِي الْقُرْآنِ، أَوْ بِمَا أَوْحَاهُ إِلَيْكَ، أَوِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ بِحُكْمٍ جَدِيدٍ، لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا أَثْبَتَ اللَّهُ شَرْعَهُ لِمَنْ قَبْلَنَا.

فَحُكْمُ النَّبِيءِ عَلَى الْيَهُودِيَّيْنِ بِالرَّجْمِ حُكْمٌ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مُؤَيَّدًا بِالْقُرْآنِ إِذَا كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ جَاءَ قَوْلُهُ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا» .

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَيِّدْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ أَنَّ حُكْمَ التَّوْرَاةِ فِي مِثْلِهِمَا الرَّجْمُ، فَحَكَمَ بِهِ، وَأَطْلَعَ الْيَهُودَ عَلَى كِتْمَانِهِمْ هَذَا الْحُكْمَ.

وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، أَيْ أَهْوَاءِ الْيَهُودِ حِينَ حَكَّمُوهُ طَامِعِينَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ، مَقْصُودٌ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ شَرِيعَةً سَابِقَةً، لِأَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ مُهَيْمِنًا أَبْطَلَ مَا خَالَفَهُ، وَنُزُولَهُ مُصَدِّقًا أَيَّدَ مَا وَافَقَهُ وَزَكَّى مَا لَمْ يُخَالِفْهُ.

وَالرَّسُولُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا النَّهْيِ: إِمَّا إِعْلَانُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَهُ النَّاسُ وَيَيْأَسَ الطَّامِعُونَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ، فخطاب النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) [الْمَائِدَة: 49] مُرَادٌ بِهِ أَنْ يَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ النَّاسِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] .

وَقَوْلُهُ: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا) كَالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أَيْ إِذَا كَانَتْ أَهْوَاؤُهُمْ فِي مُتَابَعَةِ شَرِيعَتِهِمْ أَوْ عَوَائِدِهِمْ فَدَعْهُمْ وَمَا اعْتَادُوهُ وَتَمَسَّكُوا بِشَرْعِكُمْ.

وَالشِّرْعَةُ وَالشَّرِيعَةُ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ مِنْ نَهْرٍ أَوْ وَادٍ.

يُقَالُ: شَرِيعَةُ الْفُرَاتِ.

وَسُمِّيَتِ الدِّيَانَةُ شَرِيعَةً عَلَى التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ فِيهَا شِفَاءَ النُّفُوسِ وَطَهَارَتَهَا.

وَالْعَرَبُ تُشَبِّهُ بِالْمَاءِ وَأَحْوَالِهِ كَثِيرًا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فِي(سُورَةِ النِّسَاءِ) [83] .

وَالْمِنْهَاجُ: الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ، وَهُوَ هُنَا تَخْيِيلٌ أُرِيدَ بِهِ طَرِيقُ الْقَوْمِ إِلَى الْمَاءِ.

وَالِاسْتِبَاقُ: التَّسَابُقُ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمُنَافَسَةِ، لِأَنَّ الْفَاعِلَ لِلْخَيْرِ لَا يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، فَشَابَهَ التَّسَابُقَ.

وَلِتَضْمِينِ فِعْلِ (اسْتَبِقُوا) بِمَعْنَى خُذُوا، أَوِ ابْتَدِرُوا، عُدِّيَ الْفِعْلُ إِلَى الْخَيْراتِ بِنَفْسِهِ وَحَقُّهُ أَن يعدّى بـ (إِلَى) ، كَقَوْلِهِ (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [الْحَدِيد: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت