(التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)
أَسْمَاءُ الْفَاعِلِينَ هُنَا أَوْصَافٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فَكَانَ أَصْلُهَا الْجَرَّ، وَلَكِنَّهَا قُطِعَتْ عَنِ الْوَصْفِيَّةِ وَجُعِلَتْ أَخْبَارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ اهْتِمَامًا بِهَذِهِ النُّعُوتِ اهْتِمَامًا أَخْرَجَهَا عَنِ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيُسَمَّى هَذَا الِاسْتِعْمَالُ نَعْتًا مَقْطُوعًا، وَمَا هُوَ بِنَعْتٍ اصْطِلَاحِيٍّ وَلَكِنَّهُ نَعْتٌ فِي الْمَعْنَى.
والسَّائِحُونَ: مُشْتَقٌّ مِنَ السِّيَاحَةِ، وَهِيَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ.
وَحَمْلُهُ هُنَا عَلَى السَّفَرِ لِلْجِهَادِ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ وَأَشْمَلُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُورِينَ بِالْجِهَادِ بِخِلَافِ الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ.
والرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ: هُمُ الْجَامِعُونَ بَيْنَهُمَا، أَيِ الْمُصَلُّونَ، إِذِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ لَا تَخْلُو مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
والْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ: الَّذِينَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْهُدَى وَالرَّشَادِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَمَّا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَيَأْبَاهُ.
والْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ: صِفَةٌ جَامِعَةٌ لِلْعَمَلِ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ تَوَجُّهِهَا.
وَعُطِفَتْ بِالْوَاوِ لِئَلَّا يُوهِمَ تَرْكُ الْعَطْفِ أَنَّهَا مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا صِفَتَانِ مُتَلَازِمَتَانِ مَعْدُودَتَانِ بَعْدَ صِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وَاوٌ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عِنْدَ ذِكْرِ مَعْدُودٍ ثَامِنٍ، وَسَمَّوْهَا وَاوَ الثَّمَانِيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) [الزمر: 73] .
وَأَنْكَرَهَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» «وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ كَالْحَرِيرِيِّ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَالثَّعْلَبِيِّ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا عَدُّوا قَالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، إِيذَانًا بِأَنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تَامٌّ وَأَنَّ مَا بَعْدَهَا عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَاتٍ:
إِحْدَاهَا: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) - إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ - (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الْكَهْف: 22] .
ثُمَّ قَالَ: الثَّانِيَةُ آيَةُ (الزُّمَرِ) [71] إِذْ قِيلَ: (فُتِحَتْ) فِي آيَةِ النَّارِ لِأَنَّ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ سَبْعَة، (وَفُتِحَتْ) [الزمر: 73] فِي آيَةِ الْجَنَّةِ إِذْ أَبْوَابُهَا ثَمَانِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: الثَّالِثَةُ: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فَإِنَّهُ الْوَصْفُ الثَّامِنُ.
ثُمَّ قَالَ: وَالرَّابِعَةُ: (وَأَبْكارًا) فِي آيَةِ (التَّحْرِيمِ) [5]
ذَكَرَهَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ وَتَبَجَّحَ بِاسْتِخْرَاجِهَا وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذِكْرِهَا الثَّعْلَبِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ مِنْهَا الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) [الحاقة: 7] فَسَهْوٌ بَيِّنٌ وَإِنَّمَا هَذِهِ وَاوُ الْعَطْفِ اهـ.
وَأَطَالَ فِي خِلَالِ كَلَامِهِ بِرُدُودٍ وَنُقُوضٍ.
وَأَقُولُ: كَثُرَ الْخَوْضُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِلْوَاوِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَتَوْجِيهًا وَنَقْضًا.
وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ ثَابِتٌ، فَأَمَّا فِي الْمَعْدُودِ الثَّامِنِ فَقَدِ اطَّرَدَ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا.
وَلَا يَرِيبُكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُقْتَرِنِ بِالْوَاوِ فِيهَا لَيْسَ بِثَامِنٍ فِي الْعَدَّةِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِكَوْنِهِ ثَامِنًا فِي الذِّكْرِ لَا فِي الرُّتْبَةِ.
وَأَمَّا اقْتِرَانُ الْوَاوِ بِالْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الثَّامِنِ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) [الزمر: 73] .
فَإِنَّ مَجِيءَ الْوَاوِ لِكَوْنِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةً، فَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا نُكْتَةً لَطِيفَةً جَاءَتِ اتِّفَاقِيَّةً.
وَسَيَجِيءُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) [الزمر: 73] .
وَجُمْلَةُ: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [التَّوْبَة: 111] عَطْفَ إِنْشَاءٍ عَلَى خَبَرٍ.
وَمِمَّا حَسَّنَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ فَأَشْبَهَ الْأَمْرَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِتَبْشِيرِهِمْ إِبْلَاغُهُمْ فَكَانَ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ مُرَادًا مِنْهَا مَعْنَيَانِ خَبَرِيٌّ وَإِنْشَائِيٌّ.