(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا خِطَابٌ لِقَوْمٍ سَوَّوْا بَيْنَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَ الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ، فِي أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ، فَتُؤْذِنُ بِأَنَّهَا خِطَابٌ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَعَدُوا عَنِ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، بِعِلَّةِ اجْتِزَائِهِمْ بِالسِّقَايَةِ وَالْعِمَارَةِ.
وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْأَحِقَّاءُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَا يَحِقُّ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُبَاشِرَ فِيهِ عَمَلَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَثَارَ ظَنٍّ بِأَنَّ الْقِيَامَ بِشَعَائِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُسَاوٍ لِلْقِيَامِ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ.
وَأَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَيُّ، وَالْوَاحِدِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ «مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ» وَقَالَ آخَرُ «بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» وَقَالَ آخَرُ «بَلِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ» فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستفيته فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ» قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ .. - إِلَى - .. وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ سَرَى هَذَا التَّوَهُّمُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَرُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ رَامَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَيَتْرُكَ الْهِجْرَةَ لِأَجْلِ الشَّغْلِ بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالزَّائِرِ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ رَامَ مِثْلَ ذَلِكَ، لِلْقِيَامِ بِحِجَابَةِ الْبَيْتِ.
وَرَوَى الطَّبَرَيُّ، وَالْوَاحِدِيُّ: أَنَّ مُمَارَاةً جَرَتْ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَدْرٍ، وَأَنَّ عَلِيًّا عَيَّرَ الْعَبَّاسَ بِالْكُفْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: «مَا
لَكُمْ لَا تَذْكُرُونَ مَحَاسِنَنَا إِنَّا لَنَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ وَنَحْجِبُ الْكَعْبَةَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ) الْآيَةَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ.
وَ (السِّقَايَةُ) صِيغَةٌ لِلصِّنَاعَةِ، أَيْ صِنَاعَةُ السَّقْيِ، وَهِيَ السَّقْيُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَلِذَلِكَ أُضِيفَتِ السِّقَايَةُ إِلَى الْحَاجِّ.
وَكَذَلِكَ (الْعِمَارَةُ) صِنَاعَةُ التَّعْمِيرِ، أَيِ الْقِيَامُ عَلَى تَعْمِيرِ شَيْءٍ، بِالْإِصْلَاحِ وَالْحِرَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ، هُنَا: غَيْرُ مَا فِي قَوْلِهِ: (مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) [التَّوْبَة: 17] وَقَوْلِهِ: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ) [التَّوْبَة: 18] وَأُضِيفَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ فِي ذَاتِ الْمَسْجِدِ.
وَتَعْرِيفُ الْحَاجِّ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.
وَقَدْ كَانَتْ سِقَايَةُ الْحَاجِّ وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ مَنَاصِبِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمَنَاصِبُ عَشْرَةٌ، وَتُسَمَّى الْمَآثِرَ فَكَانَتِ السِّقَايَةُ لِبَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ، وَهِيَ السِّدَانَةُ، وَتُسَمَّى الْحِجَابَةُ، لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ.
وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَاصِبُ أُخْرَى ثَمَانِيَةً أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ رَأَيْتُهَا بِخَطِّ جَدِّي الْعَلَّامَةِ الْوَزِيرِ وَهِي: الدّيات والحملات، السِّفَارَةُ، الرَّايَةُ، الرِّفَادَةُ، الْمَشُورَةُ، الْأَعِنَّةُ وَالْقُبَّةُ، الْحُكُومَةُ وَأَمْوَالُ الْآلِهَةِ، الْأَيْسَارُ.
وَقَدْ أَبْطَلَ الْإِسْلَامُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَنَاصِبِ، عَدَا السِّدَانَةَ وَالسِّقَايَةَ، لِقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ مِنْ مَآثِرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسِدَانَةَ الْبَيْتِ» .
وَذِكْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَيْسَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّسْوِيَةِ الْمَرْدُودَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَ السِّقَايَةِ أَوِ الْعِمَارَةِ بِدُونِ الْإِيمَانِ، بَلْ ذِكْرُ الْإِيمَانِ إِدْمَاجٌ، لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَثَرُ الْإِيمَانِ، وَهُوَ مُلَازِمٌ لِلْإِيمَانِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ التَّنَصُّلُ مِنْهُ بِعِلَّةِ اشْتِغَالِهِ بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَلَيْسَ ذِكْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لِكَوْنِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَزِيَّةَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِثْلَ مَزِيَّةِ الْإِيمَانِ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ لَمَا جَعَلُوا مَنَاصِبَ دِينِهِمْ مُسَاوِيَةً لِلْإِيمَانِ، بَلْ لَجَعَلُوهَا أَعْظَمَ.
وَإِنَّمَا تَوَهَّمُوا أَنَّهُمَا عَمَلَانِ يَعْدِلَانِ الْجِهَادَ، وَفِي الشَّغْلِ بِهِمَا عُذْرٌ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ، أَوْ مَزِيَةٌ دِينِيَّةٌ تُسَاوِي مَزِيَّةَ الْمُجَاهِدِينَ.
وَقَدْ دَلَّ ذِكْرُ السِّقَايَةِ وَالْعِمَارَةِ فِي جَانِبِ الْمُشَبَّهِ، وَذِكْرُ مَنْ آمَنَ وَجَاهَدَ فِي جَانِبِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، عَلَى أَنَّ الْعَمَلَيْنِ وَمَنْ عَمِلَهُمَا لَا يُسَاوِيَانِ الْعَمَلَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَمَنْ عَمِلَهُمَا.
فَوَقَعَ احْتِبَاكٌ فِي طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، أَيْ لَا يَسْتَوِي الْعَمَلَانِ مَعَ العملين وَلَا عاملوا هَذَيْنِ بِعَامِلِي ذَيْنِكَ الْعَمَلَيْنِ.
وَالتَّقْدِيرُ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَعَلْتُمْ سَقَّايَةَ الْحَاجِّ وَعُمَّارَ الْمَسْجِدِ كَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَلَمَّا ذُكِرَتِ التَّسْوِيَةُ فِي قَوْلِهِ: (لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) أُسْنِدَتْ إِلَى ضَمِيرِ الْعَامِلِينَ، دُونَ الْأَعْمَالِ: لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي الْكَلَامِ تَعْلِيقُهَا بِالْمَعَانِي بَلْ بِالذَّوَاتِ.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
الْوَجْهُ عِنْدِي فِي مَوْقِعِ جُمْلَةِ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أَنَّ مَوْقِعَهَا الِاعْتِرَاضُ بَيْنَ جُمْلَةِ (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ) وَجُمْلَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا) [التَّوْبَة: 20] إِلَخْ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زِيَادَةُ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْإِيمَانِ، إِعْلَامًا بِأَنَّهُ دَلِيلٌ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَقَائِدٌ إِلَيْهَا.
فَالَّذِينَ آمَنُوا قَدْ هَدَاهُمْ إِيمَانُهُمْ إِلَى فَضِيلَةِ الْجِهَادِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ، فَلَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ إِلَى الْخَيْرِ.
وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ: لَوْلَا الْجِهَادُ لَمَا كَانَ أَهْلُ السِّقَايَةِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ إِيمَانَهُمْ كَانَ مِنْ آثَارِ غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ وَجَيْشِ الْفَتْحِ إِذْ آمَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ صَاحِبُ السِّقَايَةِ، وَآمَنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَهُوَ صَاحِبُ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَكُنِّيَ بِنَفْيِ الْهِدَايَةِ عَنْ نَفْيِ حُصُولِ الْغَرَضِ مِنَ الْعَمَلِ.
وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْقَوْمِ الْمُشْرِكِينَ أَعْمَالَهُمْ.