(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1)
تَحَيَّرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَحَلِّ هَاتِهِ الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَّلٍ هَاتِهِ السُّوَرِ، وَفِي فَوَاتِحِ سُوَرٍ أُخْرَى عِدَّةٍ جَمِيعُهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً وَمُعْظَمُهَا فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، وَكَانَ بَعْضُهَا فِي ثَانِي سُورَةٍ نَزَلَتْ وَهِيَ (ن وَالْقَلَمِ) [الْقَلَم: 1] ، وَأَخْلِقْ بِهَا أَنْ تَكُونَ مَثَارَ حَيْرَةٍ وَمَصْدَرَ، أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَبْحَاثٍ كَثِيرَةٍ، وَمَجْمُوعُ مَا وَقَعَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ أَوَائِلُ السُّوَرِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ نِصْفُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَأَكْثَرُ السُّوَرِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا هَذِهِ الْحُرُوفُ: السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ عَدَا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْحُرُوفُ الْوَاقِعَةُ فِي السُّوَرِ هِيَ: ا، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ي، بَعْضُهَا تَكَرَّرَ فِي سُوَرٍ وَبَعْضُهَا لَمْ يَتَكَرَّرْ وَهِيَ مِنَ الْقُرْآنِ لَا مَحَالَةَ وَمِنَ الْمُتَشَابِهِ فِي تَأْوِيلِهَا.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَاتِهِ الْفَوَاتِحَ حِينَ يَنْطِقُ بِهَا الْقَارِئُ أَسْمَاءُ الْحُرُوفِ التَّهَجِّي الَّتِي يُنْطَقُ فِي الْكَلَامِ بِمُسَمَّيَاتِهَا وَأَنَّ مُسَمَّيَاتِهَا الْأَصْوَاتُ الْمُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيَّاتٍ خَاصَّةٍ تَحْصُلُ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَلِذَلِكَ إِنَّمَا يَقُولُ الْقَارِئُ: (أَلِفْ لَامْ مِيمْ) مَثَلًا وَلَا يَقُولُ (أَلَمَ) .
وَإِنَّمَا كَتَبُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِصُوَرِ الْحُرُوفِ الَّتِي يُتَهَجَّى بِهَا فِي الْكَلَامِ الَّتِي يَقُومُ رَسْمُ شَكْلِهَا مَقَامَ الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْكَلَامِ وَلَمْ يَكْتُبُوهَا بدوالّ مَا يقرأونها بِهِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّهَجِّي بِهَا وَحُرُوفُ التَّهَجِّي تُكْتَبُ بِصُوَرِهَا لَا بِأَسْمَائِهَا.
وَقِيلَ لِأَنَّ رَسْمَ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَهَذَا أولى لِأَنَّهُ أشمل لِلْأَقْوَالِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَهَا، وَإِلَى هُنَا خَلُصَ أَنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ كَوْنُهَا تِلْكَ الْحُرُوفُ لِتُبَكِّتَ الْمُعَانِدِينَ وَتَسْجِيلًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ كَوْنِهَا أَسْمَاءً لِلسُّوَرِ الْوَاقِعَةِ هِيَ فِيهَا، أَوْ كَوْنِهَا أَقْسَامًا أَقْسَمَ بِهَا لِتَشْرِيفِ قَدْرِ الْكِتَابَةِ، وَتَنْبِيهِ الْعَرَبِ الْأُمِّيِّينَ إِلَى فَوَائِدِ الْكِتَابَةِ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ حَالَةِ الْأُمِّيَّةِ.
وَأَرْجَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ هُوَ أَوَّلُهَا، فَإِنَّ الْأَقْوَالَ الثَّانِيَ وَالسَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ يُبْطِلُهَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ لَوْ كَانَتْ مُقْتَضَبَةً مِنْ أَسْمَاءٍ أَوْ كَلِمَاتٍ لَكَانَ حَقٌّ أَنْ يُنْطَقَ بِمُسَمَّيَاتِهَا لَا بِأَسْمَائِهَا لِأَنَّ رَسْمَ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْمَلُ لِلْأَقْوَالِ.
وَالَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ حَذْفِ مُتَدَاخِلِهِ وَتَوْحِيدِ مُتَشَاكِلِهِ يُؤَوَّلُ إِلَى وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ قَوْلًا وَلِشِدَّةِ خَفَاءِ الْمُرَادِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ لَمْ أَرَ بُدًّا مِنَ اسْتِقْصَاءِ الْأَقْوَالِ عَلَى أَنَّنَا نَضْبِطُ انْتِشَارَهَا بِتَنْوِيعِهَا إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهَا رُمُوزٌ اقْتُضِبَتْ مِنْ كَلِمٍ أَوْ جُمَلٍ، فَكَانَتْ أَسْرَارًا يَفْتَحُ غَلْقَهَا مَفَاتِيحُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا النَّوْعِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنُسِبَ هَذَا إِلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي رِوَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ وَلَعَلَّهُمْ يُثْبِتُونَ إِطْلَاعَ اللَّهِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَسُفْيَانُ. وَالثَّانِي أَنَّهَا حُرُوفٌ مُقْتَضَبَةٌ مِنْ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُفْتَتَحَةُ بِحُرُوفٍ مُمَاثِلَةٍ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقُرَظِيِّ أَوِ الرَّبِيعُ بن أنس فألم مَثَلًا الْأَلِفُ إِشَارَةٌ إِلَى أَحَدٍ أَوْ أَوَّلٍ أَوْ أَزَلِيٍّ، وَاللَّامُ إِلَى لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ إِلَى مَلِكٍ أَوْ مَجِيدٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ فِي بَيَانِهَا إِلَى تَوْقِيفٍ وَأَنَّى لَهُمْ بِهِ.
الثَّالِثُ أَنَّهَا رُمُوزٌ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَاءِ الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَة فألم مَثَلًا، الْأَلِفُ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّامُ مِنْ جِبْرِيلَ، وَالْمِيمُ مِنْ مُحَمَّدٍ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيفٍ فِي كُلِّ فَاتِحَةٍ مِنْهَا، وَلَعَلَّنَا سَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
الرَّابِعُ جزم الشَّيْخ مُحي الدِّينِ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ وَالتِّسْعِينَ وَالْمِائَةِ فِي الْفَصْلِ 27 مِنْهُ مِنْ كِتَابِهِ «الْفُتُوحَاتِ» أَنَّ هَاتِهِ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ فِي أَوَائِلِ
السُّوَرِ أَسْمَاءٌ لِلْمَلَائِكَةِ وَأَنَّهَا إِذَا تُلِيَتْ كَانَتْ كَالنِّدَاءِ لِمَلَائِكَتِهَا فَتُصْغِي أَصْحَابُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ إِلَى مَا يَقُولُهُ التَّالِي بَعْدَ النُّطْقِ بِهَا، فَيَقُولُونَ صَدَقْتَ إِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا خَبَرٌ، وَيَقُولُونَ هَذَا مُؤْمِنٌ حَقًّا نَطَقَ حَقًّا وَأَخْبَرَ بِحَقٍّ فَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وَهُوَ دَعْوَى.
الْخَامِسُ أَنَّهَا رُمُوزٌ كُلُّهَا لِأَسْمَاءِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْصَافِهِ خَاصَّةً قَالَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلُوكَةَ التُّونِسِيِّ فِي «رِسَالَةٍ» لَهُ قَالَ إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ مُكَنًّى بِهِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْكَرِيمَةِ وَأَوْصَافِهِ الْخَاصَّةِ، فَالْأَلِفُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ جُمْلَةِ أَسْمَائِهِ الْمُفْتَتَحَةِ بِالْأَلِفِ كَأَحْمَدَ وَأَبِي الْقَاسِمِ، وَاللَّامُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ صِفَاتِهِ مِثْلَ لُبِّ الْوُجُودِ، وَالْمِيمُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَنَحْوَهُ مِثْلَ مُبَشِّرٍ وَمُنْذِرٍ، فَكُلُّهَا مُنَادَى بِحَرْفِ نِدَاءٍ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلِ ظُهُورِ ذَلِكَ الْحَرْفِ فِي يس. وَلَمْ يَعْزُ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى أَحَدٍ، وَعَلَّقَ عَلَى هَذِهِ «الرِّسَالَةِ» تِلْمِيذُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدٌ مُعَاوِيَةُ «تَعْلِيقَةً» أَكْثَرَ فِيهَا مِنَ التَّعْدَادِ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يَنْثَلِجُ لِمَبَاحِثِهِ الْفُؤَادُ (وَهِيَ وَأَصْلُهَا مَوْجُودَةٌ بِخَزْنَةِ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ بِتُونِسَ عَدَدَ 514) وَيَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ الْتِزَامُ حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَمَا قَالَه من ظهروه فِي يس مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ:
إِنَّ يس بِمَعْنَى يَا سَيِّدُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْيَاءَ فِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ لِأَن الشَّيْخَ نَفْسَهُ عَدَّ يس بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ مَدْلُولًا لِنَحْوِ الْيَاءِ من (كهيعص) [مَرْيَم: 1] .
الْقَوْلُ السَّادِسُ أَنَّهَا رُمُوزٌ لِمُدَّةِ دَوَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِسَابِ الْجُمَّلِ [1] قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ أَخْذًا بِقِصَّةٍ
رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَثَّابٍ قَالَ: «جَاءَ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الم وَقَالُوا هَذَا أَجَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ السِّنِينَ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُمْ ص والمر فَقَالُوا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا الْأَمْرُ فَلَا نَدْرِي أَبَا لقَلِيل نَأْخُذُ أَمْ بِالْكَثِيرِ؟»
اهـ. وَلَيْسَ فِي جَوَابِ رَسُولِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِعِدَّةِ حُرُوفٍ أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ تَقْرِيرٌ لِاعْتِبَارِهَا رُمُوزًا لِأَعْدَادِ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِبْطَالَ مَا فَهِمُوهُ بِإِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِزَعْمِهِمْ عَلَى نَحْوِ الطَّرِيقَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالنَّقْضِ فِي الْجَدَلِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى الْمَنْعِ وَالْمَانِعِ لَا مَذْهَبَ لَهُ. وَأَمَّا ضَحِكُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ جَهْلِهِمْ.
[1] حِسَاب الْجمل بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم الْمَفْتُوحَة هُوَ جعل أعداد لكل حرف من حُرُوف المعجم من آحَاد وعشرات ومئات وَألف وَاحِد، فَإِذا أُرِيد خطّ رقم حسابي وضع الْحَرْف عوضا عَن الرقم وَقد كَانَ هَذَا الِاصْطِلَاح قَدِيما ووسمت بِهِ عدَّة أناشيد من كتاب دَاوُد واشتهر ترقيم التَّارِيخ بِهِ عِنْد الرومان وَلَعَلَّه نقل إِلَى الْعَرَب مِنْهُم أَو من الْيَهُود.) [ ]