فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 4110

الْقَوْلُ السَّابِعُ أَنَّهَا رُمُوزٌ كُلُّ حَرْفٍ رَمَزَ إِلَى كَلِمَةٍ فَنَحْوُ: (الم) أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَ (المر) أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَ (المص) أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَفْصِلُ. رَوَاهُ أَبُو الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيُوهِنُهُ أَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَرَّةً بِمُقَابَلَةِ الْحَرْفِ بِحَرْفِ أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، وَمَرَّةً بِمُقَابَلَتِهِ بِحَرْفٍ وَسَطِ الْكَلِمَةِ أَوْ آخِرِهَا.

وَنَظَّرُوهُ بِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَتَكَلَّمُ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ بَدَلًا مِنْ كَلِمَاتٍ تَتَأَلَّفُ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ نَظْمًا وَنَثْرًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

بِالْخَيْرِ خَيِّرَاتٌ وَإِنْ شَرٌّ فَا ... وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا

أَرَادَ وَإِنْ شَرٌّ فَشَرٍّ وَأَرَادَ إِلَّا أَنْ تَشَا، فَأَتَى بِحَرْفٍ مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ. وَقَالَ الْآخَرُ (قُرْطُبِيٌّ) :

نَادَاهُمْ أَلَا الْجِمُوا أَلَا تَا ... قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ أَلَا فَا

أَرَادَ بِالْحَرْفِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرْكَبُونَ، وَبِالثَّانِي أَلَا فَارْكَبُوا. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَامِلُ عُثْمَانَ يُخَاطِبُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ:

قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ ... لَا تَحْسِبَنِّي قَدْ نَسِيتُ الْإِيجَافْ

أَرَادَ قَالَتْ وَقَفْتُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ»

قَالَ شَقِيقٌ:

هُوَ أَنْ يَقُولَ اُقْ مَكَانَ اقْتُلْ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «كَفَى بِالسَّيْفِ شَا»

أَيْ شَاهِدًا.

وَفِي «كَامِلِ الْمُبَرِّدِ» مِنْ قَصِيدَةٍ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْقُمِّيِّ وَهُوَ مولد:

وَلَيْسَ الْعَجَاجَةِ وَالْخَافِقَا ... تِ تُرِيكَ الْمَنَا بِرُؤُوسِ الْأَسَلِ

أَيْ تُرِيكَ الْمَنَايَا. وَفِي «تَلْعٍ» مِنْ «صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ» قَالَ لَبِيِدٌ:

دَرَسَ الْمَنَا بِمَتَالِعٍ فَأَبَانَ ... فَتَقَادَمَتْ بِالْحَبْسِ فَالسُّوبَانِ

أَرَادَ دَرَسَ الْمَنَازِلَ.

وَقَالَ عَلْقَمَةُ الْفَحْلُ «خَصَائِصَ» ص 82):

كَأَنَّ إِبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ ... مُفَدَّمٌ بِسَبَا الْكَتَّانِ مَلْثُومُ

أَرَادَ بِسَبَائِبَ الْكَتَّانِ.

وَقَالَ الرَّاجِزُ:

حِينَ أَلْقَتْ بِقُبَاءِ بَرْكِهَا ... وَاسْتَمَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلِ

أَيْ عَبْدُ الْأَشْهَلِ. وَقَول أبي فؤاد:

يَدْرِينَ حَنْدَلَ حَائِرٌ لِجَنُوبِهَا ... فَكَأَنَّمَا تُذْكَى سَنَابِكُهَا الْحُبَا

أَرَادَ الْحُبَاحِبَ. وَقَالَ الْأَخْطَلُ:

أَمْسَتْ مَنَاهَا بِأَرْضٍ مَا يُبَلَّغُهَا ... بِصَاحِبِ الْهَمِّ إِلَّا الْجَسْرَةُ الْأُجُدُ

أَرَادَ مَنَازِلَهَا. وَوَقَعَ «طِرَازِ الْمُجَالِسِ» - الْمَجْلِسِ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ مَعَ التَّوْرِيَةِ كَقَوْلِ ابْنِ مَكَانِسَ:

لَمْ أَنْسَ بَدْرًا زَارَنِي لَيْلَةً ... مُسْتَوْفِزًا مَطْلَعًا لِلْخَطَرِ

فَلَمْ يَقُمْ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا ... قُلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْ

أَرَادَ بَعْضَ كَلِمَةِ مَرْحَبًا وَقَدْ أَكْثَرْتُ مِنْ شَوَاهِدِهِ تَوْسِعَةً فِي مَوَاقِعِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ الْغَرِيبِ وَلَسْتُ أُرِيدُ بِذَلِكَ تَصْحِيحَ حَمْلِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ تَخْرِيجُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ مَعَ التَّوْرِيَةِ بِجَعْلِ مَرَّ مِنَ الْمُرُورِ.

الْقَوْلُ الثَّامِنُ أَنَّهَا إِشَارَاتٌ إِلَى أَحْوَالٍ مِنْ تَزْكِيَةِ الْقَلْبِ، وَجَعَلَهَا فِي «الْفُتُوحَاتِ» فِي الْبَابِ الثَّانِي إِيمَاءً إِلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ جُمْلَةَ الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ عَلَى تَكْرَارِ الْحُرُوفِ ثَمَانِيَةً وَسَبْعُونَ حَرْفًا وَالثَّمَانِيَةُ هُنَا هِيَ حَقِيقَةُ الْبِضْعِ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِالْكَشْفِ فَيَكُونُ عَدَدُ الْحُرُوفِ ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»

فَهَذِهِ الْحُرُوفُ هِيَ شُعَبُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَكْمُلُ لِأَحَدٍ أَسْرَارَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ حَقَائِقَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي سُوَرِهَا. وَكَيْفَ يَزْعُمُ زَاعِمٌ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي مَعَانٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ مَعَ ثُبُوتِ تَلَقِّي السَّامِعِينَ لَهَا بِالتَّسْلِيمِ مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُعَانِدٍ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهَا مَعْنًى مَعْرُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ لَسَأَلَ السَّائِلُونَ وَتَوَرَّكَ الْمُعَانِدُونَ.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: لَوْلَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعْرِفُونَ لَهَا مَدْلُولًا مُتَدَاوَلًا بَيْنَهُمْ لَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ تَلَا عَلَيْهِمْ حم فُصِّلَتْ وص وَغَيْرَهُمَا فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إِلَى عَثْرَةٍ وَحِرْصِهِمْ عَلَى زَلَّةٍ قُلْتُ وَقَدْ سَأَلُوا عَنْ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا فَقَالُوا (وَمَا الرَّحْمنُ) [الْفرْقَان: 60] .

وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنْ بَيْتِ زُهَيْرٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِمَّا أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْأَلْغَازِ وَالتَّمْلِيحِ وَذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ مَقَامَ الْكِتَابِ الْمَجِيدِ.

النَّوْعُ الثَّانِي يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ الرَّاجِعَةَ إِلَى أَنَّ هَاتِهِ الْحُرُوفَ وُضِعَتْ بِتِلْكَ الْهَيْئَاتِ أَسْمَاءً أَوْ أَفْعَالًا وَفِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ أَرْبَعَةٌ.

التَّاسِعُ فِي عِدَادِ الْأَقْوَالِ فِي أَوَّلِهَا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَنُسِبَ لِسِيبَوَيْهِ فِي «كِتَابِهِ» بَابِ أَسْمَاءِ السُّوَرِ مِنْ أَبْوَابِ مَا لَا يَنْصَرِفُ أَوْ لِلْخَلِيلِ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» لِلْأَكْثَرِ وَيُعَضِّدُهُ وُقُوعُ هَاتِهِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَتَكُونُ هَاتِهِ الْحُرُوفُ قَدْ جُعِلَتْ أَسْمَاءً بِالْعَلَامَةِ عَلَى تِلْكَ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتْ بِهَا كَمَا نَقُولُ الْكُرَّاسَةَ بـ وَالرِّزْمَةَ ج وَنَظَّرَهُ الْقُفَّالُ بِمَا سَمَّتِ الْعَرَبُ بِأَسْمَاءِ الْحُرُوفِ كَمَا سَمَّوْا لَامَ الطَّائِيَّ وَالِدِ حَارِثَةَ، وَسَمَّوُا الذَّهَبَ عَيْنٌ، وَالسَّحَابَ غَيْنٌ، وَالْحُوتَ نُونْ، والجبل قَاف، وأقوال، وَحَاءُ قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، وَقَالَ شُرَيْحُ بْنُ أَوْفَى الْعَنْسِيُّ أَوِ الْعَبْسِيُّ:

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

يُرِيدُ (حم عسق) [الشورى: 1، 2] الَّتِي فِيهَا: (قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) [الشورى: 23] .

وَيَبْعُدُ هَذَا الْقَوْلُ بُعْدًا مَا إِنِ الشَّأْنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْمُسَمَّى وَقَدْ وَجَدْنَا هَذِهِ الْحُرُوفَ مَقْرُوءَةً مَعَ السُّوَرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّهُ اتِّحَادُ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ مِثْلَ الم والر وحم. وَأَنَّهُ لَمْ تُوضَعْ أَسْمَاءُ السُّوَرِ الْأُخْرَى فِي أَوَائِلِهَا.

الْقَوْلُ الْعَاشِرُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ إِنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْقُرْآنِ اصْطُلِحَ عَلَيْهَا قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَيُبْطِلُهُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ بَعْضِهَا مَا لَا يُنَاسِبُهَا لَوْ كَانَتْ أَسْمَاءً لِلْقُرْآنِ، نَحْوَ (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) [الرُّومُ: 1، 2] ، و (الم أَحَسِبَ النَّاسُ) [العنكبوت: 1، 2] .

الْقَوْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ كُلَّ حُرُوفٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْهَا هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ رَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَا كهيعص يَا حم عسق وَسَكَتَ عَنِ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ فَيَرْجِعُ بِهَا إِلَى مَا يُنَاسِبُهَا أَنْ تَنْدَرِجَ تَحْتَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَيُبْطِلَهُ عَدَمُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ لِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا أَوْ نَحْوَهُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ مِثْلَ (الم ذلِكَ الْكِتابُ) [الْبَقَرَة: 1، 2] و (المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [الْأَعْرَاف: 1، 2] .

الثَّانِيَ عَشَرَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هِيَ أَفْعَالٌ فَإِنَّ حُرُوفَ المص كِتَابٌ فِعْلُ أَلَمَّ بِمَعْنَى نَزَلَ فَالْمُرَادُ الم ذلِكَ الْكِتابُ أَيْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ، وَيُبْطِلُ كَلَامَهُ أَنَّهَا لَا تُقْرَأُ بِصِيَغِ الْأَفْعَالِ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي جَمِيعِهَا نَحْوَ كهيعص والمص والر وَلَوْلَا غَرَابَةُ هَذَا الْقَوْلِ لَكَانَ حَرِيًّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ تَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَقْوَالُ الرَّاجِعَةُ إِلَى أَنَّ هَاتِهِ الْحُرُوفَ حُرُوفُ هِجَاءٍ مَقْصُودَةٍ بِأَسْمَائِهَا لِأَغْرَاضٍ دَاعِيَةٍ لِذَلِكَ وَفِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ:

الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ هَاتِهِ الْحُرُوفَ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا كَمَا أَقْسَمَ بِالْقَلَمِ تَنْوِيهًا بِهَا لِأَنَّ مُسَمَّيَاتِهَا تَأَلَّفَتْ مِنْهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَأُصُولُ التَّخَاطُبِ وَالْعُلُومِ قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَقَدْ وَهَنَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقْسَمًا بِهَا لَذُكِرَ حَرْفُ الْقَسَمِ إِذْ لَا يُحْذَفُ إِلَّا مَعَ اسْمِ الْجَلَالَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَبِأَنَّهَا قَدْ وَرَدَ بَعْدَهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَسَمٌ نَحْوَ: (ن وَالْقَلَمِ) [الْقَلَم: 1] و (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) [الزخرف: 1]

قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَقَدِ اسْتَكْرَهُوا الْجَمْعَ بَيْنَ قَسَمَيْنِ عَلَى مُقْسَمٍ وَاحِدٍ حَتَّى قَالَ الْخَلِيلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) [اللَّيْل: 1، 2] أَنَّ الْوَاوَ الثَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تَضُمُّ الْأَسْمَاءَ لِلْأَسْمَاءِ أَيْ وَاوَ الْعَطْفِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ اخْتِصَاصَ الْحَذْفِ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَأَنَّ كَرَاهِيَةَ جمع قسمَيْنِ تَنْفَع بِجَعْلِ الْوَاوِ التَّالِيَةِ لَهَاتِهِ الْفَوَاتِحِ وَاوَ الْعَطْفِ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ قَسَمَيْنِ، قَالَ النَّابِغَةُ:

وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْفَتَى الْ ... حَارِثُ لَا النَّكْسُ وَلَا الْخَامِلُ

الْقَوْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهَا سِيقَتْ مَسَاقَ التَّهَجِّي مَسْرُودَةً عَلَى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فِي التَّهْجِيَةِ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وَإِيقَاظًا لِنَظَرِهِمْ فِي أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الْمَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تُحُدُّوا بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ عَيْنِ حُرُوفِ كَلَامِهِمْ كَأَنَّهُ يُغْرِيهِمْ بِمُحَاوَلَةِ الْمُعَارَضَةِ وَيَسْتَأْنِسُ لِأَنْفُسِهِمْ بِالشُّرُوعِ فِي ذَلِكَ بِتَهَجِّي الْحُرُوفِ وَمُعَالَجَةِ النُّطْقِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِمُعَامَلَتِهِمْ مُعَامَلَةَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَقَاطِيعَ اللُّغَةِ، فَيُلَقِّنُهَا كَتَهَجِّي الصِّبْيَانِ فِي أَوَّلِ تَعَلُّمِهِمْ بِالْكِتَابِ حَتَّى يَكُونَ عَجْزُهُمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُحَاوَلَةِ عَجْزًا لَا مَعْذِرَةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُبَرِّدُ وَقُطْرُبُ وَالْفَرَّاءُ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» وَهَذَا الْقَوْلُ من الْقُوَّة والخلافة بِالْقَبُولِ بِمَنْزِلَةٍ، وَقُلْتُ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَتَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ لِوُقُوعِهَا فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ مَقْصُودَةٍ بِالْإِعْجَازِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [الْبَقَرَة: 23]

فَنَاسَبَ افْتِتَاحُ مَا بِهِ الْإِعْجَازُ بِالتَّمْهِيدِ لِمُحَاوَلَتِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ التَّهَجِّيَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَقْصِدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ لِظُهُورِ أَمْرِهِ وَأَنَّ التَّهَجِّيَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ لِلتَّعْلِيمِ فَإِذَا ذَكَرْتَ حُرُوفَ الْهِجَاءِ عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ فِي التَّعْلِيمِ فِي مَقَامٍ غَيْرِ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيمِ عَرَفَ السَّامِعُونَ

أَنَّهُمْ عُومِلُوا مُعَامَلَةَ الْمُتَعَلِّمِ لِأَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِهِ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِكَلَامٍ بَلِيغٍ، وَيُعَضِّدُ هَذَا الْوَجْهَ تَعْقِيبُ هَاتِهِ الْحُرُوفِ فِي غَالِبِ الْمَوَاقِعِ بِذِكْرِ الْقُرْآنِ وتنزيله أَو كتابيته إِلَّا فِي (كهيعص) [مَرْيَم: 1] و (الم أَحَسِبَ النَّاسُ) [العنكبوت: 1، 2] و (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) [الرُّومُ: 1، 2] وَوَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوفِ بِالتَّهَجِّي دُونَ بَعْضٍ، وَتَكْرِيرِ بَعْضِهَا لِأَمْرٍ لَا نَعْلَمُهُ وَلَعَلَّهُ لِمُرَاعَاةِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُعْظَمَ مَوَاقِعِ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ عَدَا الْبَقَرَةَ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلُوهَا كُلَّهَا مَدَنِيَّةً وَآلَ عِمْرَانَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا نَزَلَتَا بِقُرْبِ عَهْدِ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَّ قَصْدَ التَّحَدِّي فِي الْقُرْآنِ النَّازِلِ بِمَكَّةَ قَصْدٌ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا الْحُرُوفُ الَّتِي أَسْمَاؤُهَا مَخْتُومَةٌ بِأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ مِثْلَ الْيَاءِ وَالْهَاءِ وَالرَّاءِ وَالطَّاءِ وَالْحَاءِ قُرِئَتْ فَوَاتِحُ السُّوَرِ مَقْصُودَةً عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُتَهَجَّى بِهَا لِلصِّبْيَانِ فِي الْكِتَابِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي آخِرِ هَذَا الْمَبْحَثِ مِنْ تَفْسِيرِ (الم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت