(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
إِذَا أَتَمَّ الْحَامِدُ حَمْدَ رَبِّهِ يَأْخُذُ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ بِإِظْهَارِ الْإِخْلَاصِ لَهُ انْتِقَالًا مِنَ الْإِفْصَاحِ عَنْ حَقِّ الرَّبِّ إِلَى إِظْهَار مراعة مَا يَقْتَضِيهِ حَقُّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مِنْ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ.
فَهَذَا الْكَلَامُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ.
وَمُفَاتَحَةُ الْعُظَمَاءِ بِالتَّمْجِيدِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُخَاطَبُوا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ.
وَالِانْتِقَالُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَدِيثِ بِطَرِيقِ الْغَائِبِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ قَوْلِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إِلَى قَوْلِهِ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) إِلَى أُسْلُوبِ طَرِيقِ الْخِطَابِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَنٌّ بَدِيعٌ مِنْ فُنُونِ نَظْمِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عِلْمِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ وَالْبَلَاغَةِ الْتِفَاتًا.
وَلِأَهْلِ الْبَلَاغَةِ عِنَايَةٌ بِالِالْتِفَاتِ لِأَنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ تَحَاشِيًا مِنْ تَكَرُّرِ الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ عِدَّةَ مِرَارٍ فَيَحْصُلُ بِتَجْدِيدِ الْأُسْلُوبِ تَجْدِيدُ نَشَاطِ السَّامِعِ كَيْ لَا يَمَلَّ مِنْ إِعَادَةِ أُسْلُوبٍ بِعَيْنِهِ.
وَمَا هُنَا الْتِفَاتٌ بَدِيعٌ فَإِنَّ الْحَامِدَ لَمَّا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَوَصَفَهُ بِعَظِيمِ الصِّفَاتِ بَلَغَتْ بِهِ الْفِكْرَةُ مُنْتَهَاهَا فَتَخَيَّلَ نَفْسَهُ فِي حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَخَاطَبَ رَبَّهُ بِالْإِقْبَالِ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) [العنكبوت: 23] لِاعْتِبَارِ تَشْنِيعِ كُفْرِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ صَاحِبِ ذَلِكَ الِاسْمِ الْجَلِيلِ، وَبَعْدَ تَقُرُّرِ ذَلِكَ انْتَقَلَ إِلَى أُسْلُوبِ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُضَافَةِ إِلَى ذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَمِمَّا يَزِيدُ الِالْتِفَاتَ وَقْعًا فِي الْآيَةِ أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنَ الثَّنَاءِ إِلَى الدُّعَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاءَ يَقْتَضِي الْخِطَابَ فَكَانَ قَوْلُهُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تَخَلُّصًا يَجِيءُ بَعْدَهُ: (اهْدِنَا الصِّراطَ) .
وَأَبُو الْفَتْحِ ابْنُ جِنِّي يُسَمِّي الِالْتِفَاتَ «شَجَاعَةَ الْعَرَبِيَّةِ» كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى حِدَّةِ ذِهْنِ الْبَلِيغِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ تَصْرِيفِ أَسَالِيبِ كَلَامِهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا يَتَصَرَّفُ الشُّجَاعُ فِي مَجَالِ الْوَغَى بِالْكَرِّ وَالْفَرِّ.
وَالْعِبَادَةُ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْخُضُوعِ أَوِ التَّعْظِيمِ الزَّائِدَيْنِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَأَمَّا إِطْلَاقُهَا عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ مَجَازٌ.
وَالْعِبَادَةُ فِي الشَّرْعِ أَخَصُّ فَتُعَرَّفُ بِأَنَّهَا فِعْلُ مَا يُرْضِي الرَّبَّ مِنْ خُضُوعٍ وَامْتِثَالٍ وَاجْتِنَابٍ، أَوْ هِيَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ عَلَى خِلَافِ هَوَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ.
وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُلَقَّنِينَ لِهَذَا الْحَمْدِ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ.
(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وَإِنَّمَا لَمْ تُفْصَلْ عَنْ جُمْلَةِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بِطَرِيقَةِ تَعْدَادِ الْجُمَلِ مَقَامِ التَّضَرُّعِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَقَامَاتِ التَّعْدَادِ وَالتَّكْرِيرِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى خُطُورِ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا فِي إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِهَذَا التَّخْصِيصِ، أَيْ نَخُصُّكَ بِالِاسْتِعَانَةِ أَيْضًا مَعَ تَخْصِيصِكَ بِالْعِبَادَةِ.
وَالِاسْتِعَانَةُ طَلَبُ الْعَوْنِ.
وَالْعَوْنُ وَالْإِعَانَةُ تَسْهِيلُ فِعْلِ شَيْءٍ يَشُقُّ وَيَعْسُرُ عَلَى الْمُسْتَعِينِ وَحْدَهُ، فَهِيَ تَحْصُلُ بِإِعْدَادِ طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ مِنْ إِعَارَةِ آلَةٍ، أَوْ مُشَارَكَةٍ بِعَمَلِ الْبَدَنِ كَالْحَمْلِ وَالْقَوْدِ، أَوْ بِقَوْلٍ كَالْإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ، أَوْ بِرَأْيٍ كَالنَّصِيحَةِ.
وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ التَّقْدِيمِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) حَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالِاسْتِعَانَاتِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْض فِي شئونهم، وَمَعْنَى الْحَصْرِ هُنَا لَا نَسْتَعِينُ عَلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُسْتَعَانُ فِيهَا بِالنَّاسِ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَيُفِيدُ هَذَا الْقَصْرُ فِيهِمَا التَّعْرِيضَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَسْتَعِينُونَ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ عَلَى قَصْدِ التَّشْرِيكِ إِلَّا أَنَّ وَلَعَهُ وَاسْتِهْتَارَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْسَاهُ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا عَبَدَتْ سَبَأُ الشَّمْسَ وَعَبَدَ الْفُرْسُ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَعَبَدَ الْقِبْطُ الْعِجْلَ وَأَلَّهُوا الْفَرَاعِنَةَ، وَعَبَدَتْ أُمَمُ السُّودَانِ الْحَيَوَانَاتِ كَالثَّعَابِينِ.
وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ عِبَادَةِ اللَّهِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ وَهَذَا حَالُ مُعْظَمِ الْعَرَبِ مِمَّنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ أَوْ عَبَدَ الْكَوَاكِبَ، فَقَدْ عَبَدَتْ ضَبَّةُ وَتَيْمٌ وَعُكْلُ الشَّمْسَ، وَعَبَدَتْ كِنَانَةُ الْقَمَرَ، وَعَبَدَتْ لَخْمٌ وَخُزَاعَةُ وَبَعْضُ قُرَيْشٍ الشِّعْرَى، وَعَبَدَتْ تَمِيمٌ الدبران، وعبدت طيء الثُّرَيَّا، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ جَعَلُوا الْآلِهَةَ بِزَعْمِهِمْ وَسِيلَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا الْعِبَادَةَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِمْ لِأَنَّ جَعْلَهُمْ وَسِيلَةً إِلَى اللَّهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِعَانَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ اسْتِفَادَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أَيْ بِطَرِيقِ عَرْضِ الْكَلَامِ لِأَنَّ الْقَصْرَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِرَدِّ الِاعْتِقَادِ إِلَّا تَعْرِيضًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ حَاصِلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّلْكُوتِيُّ فِي «حَاشِيَةِ التَّفْسِيرِ» .
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نَسْتَعِينَ إِلَّا بِهِ حَسْبَمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» فَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ؟
قُلْتُ قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْجَدُّ قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَرْكَ طَرِيقَةِ الْقَصْرِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَقَامَ لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وَأَنَّ مِنْ حَقِّ السُّؤَالِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ الْقَادِرِ الْعَلِيمِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَقْصُورًا فِي نَفْسِهِ فَارْتِكَابُ طَرِيقِ الْقَصْرِ لَغْوٌ مِنَ الْكَلَامِ اهـ.
وَأَقُولُ تَقْفِيَةً عَلَى أَثَرِهِ إِنَّ مَقَامَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَقَامِ الْآيَةِ فَمَقَامُ الْحَدِيثِ مَقَامُ تَعْلِيمٍ خَاصٍّ لِمَنْ نَشَأَ وَشَبَّ وَتَرَجَّلَ فِي الْإِسْلَامِ فَتَقَرُّرُ قَصْرِ الْحُكْمِ لَدَيْهِ عَلَى طَرَفِ الثُّمَامِ وَلِذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَأَمَّا مَقَامُ هَذِهِ الْآيَةِ فَمَقَامُ مُفْتَتَحِ الْوَحْيِ وَالتَّشْرِيعِ وَاسْتِهْلَالِ الْوَعْظِ وَالتَّقْرِيعِ، فَنَاسَبَ تَأْكِيدَ الْحُكْمِ بِالْقَصْرِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِحَالِ الشِّرْكِ الشَّنِيعِ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْأَمْرِ بِهِمَا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ عَلَى حُصُولِ أَيِّ سُؤَالٍ وَأَيَّةِ اسْتِعَانَةٍ يُفِيدُ مَفَادَ الْقَصْرِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ
وَبَرَاءَةً مِنْ صَنِيعِهِمْ فَقَدْ كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِآلِهَتِهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ الْمَوْضُوعَةِ عِنْدَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ.
وَضَمِيرَا (نَعْبُدُ، ونَسْتَعِينُ) يَعُودَانِ إِلَى تَالِي السُّورَةِ ذَاكِرًا مَعَهُ جَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي الْعُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ الْوَاحِدِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَحَامِدَ صَادِرَةٌ مِنْ جَمَاعَاتٍ، فَفِيهِ إِغَاظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إِذْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الثَّنَاءِ مِنْ أَعْبُدَ وَأَسْتَعِينَ لِئَلَّا تَخْلُوَ الْمُنَاجَاةُ عَنْ ثَنَاءٍ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَحْمُودَ الْمَعْبُودَ الْمُسْتَعَانَ قَدْ شَهِدَ لَهُ الْجَمَاعَاتُ وَعَرَفُوا فَضْلَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ النَّابِغَةِ فِي رِثَاءِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ:
قُعُودًا لَهُ غَسَّانُ يَرْجُونَ أَوْبَةً ... وَتُرْكٌ وَرَهْطُ الْأَعْجَمِينَ وَكَابُلُ
إِذْ قَصَدَ مِنْ تَعْدَادِ أَصْنَافٍ مِنَ الْأُمَمِ الْكِنَايَةَ عَنْ عَظَمَةِ النُّعْمَانِ وَكَثْرَةِ رَعِيَّتِهِ.
فَكَأَنَّ الْحَامِدَ لَمَّا انْتَقَلَ مِنَ الْحَمْدِ إِلَى الْمُنَاجَاةِ لَمْ يُغَادِرْ فُرْصَةً يَقْتَنِصُ مِنْهَا الثَّنَاءَ إِلَّا انتهزها.
وَوَجهه تَقْدِيمِ قَوْلِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) عَلَى قَوْلِهِ: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أَنَّ الْعِبَادَةَ تَقَرُّبٌ لِلْخَالِقِ تَعَالَى فَهِيَ أَجْدَرُ بِالتَّقْدِيمِ فِي الْمُنَاجَاةِ، وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ فَهِيَ لِنَفْعِ الْمَخْلُوقِ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُنَاجِي مَا هُوَ مِنْ عَزْمِهِ وَصُنْعِهِ عَلَى مَا يَسْأَلُهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ تَتَرَكَّبُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لِلْمُسْتَعِينِ بِهِ وَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا تُطْلَبُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ فَكَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي التَّعَقُّلِ.
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ التَّقْدِيمِ أَيْضًا إِيفَاءُ حَقِّ فَوَاصِلِ السُّورَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْحَرْفِ السَّاكِنِ الْمُتَمَاثِلِ أَوِ الْقَرِيبِ فِي مَخْرَجِ اللِّسَانِ.
وَأُعِيدَ لَفْظُ (إِيَّاكَ) فِي الِاسْتِعَانَةِ دُونَ أَنْ يَعْطِفَ فِعْلَ (نَسْتَعِينُ) عَلَى (نَعْبُدُ) مَعَ أَنَّهُمَا مَقْصُودَانِ جَمِيعًا كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِأَنَّ بَيْنَ الْحَصْرَيْنِ فَرْقًا، فَالْحَصْرُ فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حَقِيقِيٌّ وَالْقَصْرُ فِي (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ادِّعَائِيٌّ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَسْتَعِينُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) [الْمَائِدَة: 2] وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَعِينُ فِي عَظَائِمِ الْأُمُورِ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا يَعُدُّ الِاسْتِعَانَةَ حَقِيقَةً إِلَّا الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ تَعَالَى.