(يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ(41)
وَافْتَتَحَ الْخِطَابَ بِأَشْرَفِ الصِّفَاتِ وَهِيَ صِفَةُ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ.
وَمَعْنَى (لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ) نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ إِحْزَانٌ مُسْنَدٌ إِلَى الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.
وَالْإِحْزَانُ فِعْلُ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ إِنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَسْبَابِهِ، أَيْ لَا تَجْعَلْهُمْ يُحْزِنُونَكَ، أَيْ لَا تَهْتَمَّ بِمَا يَفْعَلُونَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحُزْنَ عَلَى نَفْسِكَ.
وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ وَهُوَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُرَكَّبِ فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا، أَيْ لَا تَفْعَلْ حَتَّى أَعْرِفَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا أُلْفِيَنَّكَ هَاهُنَا، وَلَا أَرَيَنَّكَ هُنَا.
وَإِسْنَادُ الْإِحْزَانِ إِلَى الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ سَبَبٌ فِي الْإِحْزَانِ، وَأَمَّا مُثِيرُ الْحُزْنِ فِي نَفْسِ الْمَحْزُونِ فَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْعُرْفِ وَلِذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ.
وَمَعْنَى الْمُسَارَعَةِ فِي الْكُفْرِ إِظْهَارُ آثَارِهِ عِنْدَ أَدْنَى مُنَاسَبَةٍ وَفِي كُلِّ فُرْصَةٍ، فَشَبَّهَ إِظْهَارَهُ الْمُتَكَرِّرَ بِإِسْرَاعِ الْمَاشِي إِلَى الشَّيْءِ، كَمَا يُقَالُ: أَسْرَعَ إِلَيْهِ الشَّيْبُ، وَقَوْلُهُ:
إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ.
وعدّي بفي الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَاعَ مَجَازٌ بِمَعْنَى التَّوَغُّلِ، فَيَكُونُ (فِي) قَرِينَةَ الْمَجَازِ، كَقَوْلِهِمْ: أَسْرَعَ الْفَسَادُ فِي الشَّيْءِ، وَأَسْرَعَ الشَّيْبُ فِي رَأْسِ فُلَانٍ.
فَجَعَلَ الْكُفْرَ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَجَعَلَ تَخَبُّطَهُمْ فِيهِ وَشِدَّةَ مُلَابَسَتِهِمْ إِيَّاهُ بِمَنْزِلَةِ جَوَلَانِ الشَّيْءِ فِي الظَّرْفِ جَوَلَانًا بِنَشَاطٍ وَسُرْعَةٍ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ (يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ) [الْمَائِدَة: 62] ، وَقَوْلُهُ: (نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ) [الْمُؤْمِنُونَ: 56] ، (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) [الْمُؤْمِنُونَ: 61] .
فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ.
وَسَيَجِيءُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: (يُسارِعُونَ فِيهِمْ) [الْمَائِدَة: 52] .
وَالْإِشَارَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا) إِلَى الْكَلِمِ الْمُحَرَّفِ.
وَالْإِيتَاءُ هُنَا: الْإِفَادَةُ كَقَوْلِهِ: (وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) [الْبَقَرَة: 251] .
وَالْأَخْذُ: الْقَبُولُ، أَيْ إِنْ أُجِبْتُمْ بِمِثْلِ مَا تَهْوَوْنَ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ لَمْ تُجَابُوهُ فَاحْذَرُوا قَبُولَهُ.
وَإِنَّمَا قَالُوا: فَاحْذَرُوا، لِأَنَّهُ يَفْتَحُ عَلَيْهِمُ الطَّعْنَ فِي أَحْكَامِهِمُ الَّتِي مَضَوْا عَلَيْهَا وَفِي حُكَّامِهِمُ الْحَاكِمِينَ بِهَا.
وَإِرَادَةُ اللَّهِ فِتْنَةَ الْمَفْتُونِ قَضَاؤُهَا لَهُ فِي الْأَزَلِ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ عَدَمُ إِجْدَاءِ الْمَوْعِظَةِ وَالْإِرْشَادِ فِيهِ.
فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) أَيْ لَا تَبْلُغُ إِلَى هَدْيِهِ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ لِلنَّاسِ كَافَّةً.
وَتَنْكِيرُ (شَيْئاً) لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى النَّفْيِ كَانَ انْتِفَاءُ مِلْكِ شَيْءٍ قَلِيلٍ مُقْتَضِيًا انْتِفَاءَ مِلْكِ الشَّيْءِ الْكَثِيرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.