فهرس الكتاب

الصفحة 1606 من 4110

[سُورَة آل عمرَان(3): آيَة 161]

(وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(161)

وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ: يُغَلَّ - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ - وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ -.

وَالْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْغُلُولِ وَهُوَ أَخْذُ شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِدُونِ إِذْنِ أَمِيرِ الْجَيْشِ.

وَصِيغَةُ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ صِيغَةُ جَحُودٍ تُفِيدُ مُبَالَغَةَ النَّفْيِ.

وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ نَهْيُ جَيْشِ النَّبِيءِ عَن أَن يغلو لِأَنَّ الْغُلُولَ فِي غَنَائِم النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلُولٌ لِلنَّبِيءِ، إِذْ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ فَمَعْنَى أَنَّ النَّبِيءَ لَا يَغُلُّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْغُلُولُ فِي جَيْشِهِ فَإِسْنَادُ الْغُلُولِ إِلَى النّبيء مجَاز عَقْلِي لِمُلَابَسَةِ جَيْشِ النَّبِيءِ نَبِيئَهُمْ وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ.

وَالتَّقْدِيرُ: مَا كَانَ لِجَيْشِ نَبِيءٍ أَنْ يَغُلَّ.

وَلِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَأْوِيلَاتٌ لِلْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا سَمَاجَةٌ.

وَمَعْنَى (ومَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ مُشَهَّرًا مَفْضُوحًا بِالسَّرِقَةِ.

وَمِنَ اللَّطَائِفِ مَا فِي الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ لِلْجَاحِظِ: أَنَّ مَزْيَدًا - رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ - سَرَقَ نَافِجَةَ مِسْكٍ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَسْرِقُهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ؟ فَقَالَ: إِذَنْ أَحْمِلُهَا طَيِّبَةَ الرِّيحِ خَفِيفَةَ الْمحمل.

وَهَذَا تلميح وَتَلَقِّي الْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ.

وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالدَّرْكُ عَلَى مَنْ حَكَاهُ قَالُوا: لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ لِيُسَلِّمَ مُصْحَفَهُ لِيَحْرِقَهُ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُصْحَفِ الَّذِي كُتِبَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وَإِنِّي غَالٌّ مُصْحَفِي فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَفْعَلْ.

وَلَا أَثِقُ بِصِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْغُلُولِ.

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) تَنْبِيهٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ بَعْدَ التَّفْضِيحِ، إِذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ مَسُوقٌ مَسَاقُ النَّهْيِ.

وَجِيءَ بِـ (ثُمَّ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى طُولِ مُهْلَةِ التَّفْضِيحِ، وَمِنْ جُمْلَةِ النُّفُوسِ الَّتِي تُوَفَّى مَا كَسَبَتْ نَفْسُ مَنْ يَغْلُلْ، فَقَدْ دَخَلَ فِي الْعُمُومِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت