(فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ(83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَنْجَيْناهُ) تَعْقِيبٌ لِجُمْلَةِ: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) أَوْ لِجُمْلَةِ: (قالَ لِقَوْمِهِ) وَهَذَا التَّعْقِيبُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ بِزَمن قَلِيل.
و (فَأَنْجَيْناهُ) مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ.
وَالتَّقْدِيرُ: فَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ، فَقَدَّمَ الْخَبَرَ بِإِنْجَاءِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْخَبَرِ بِإِمْطَارِهِمْ مَطَرَ الْعَذَابِ، لِقَصْدِ إِظْهَارِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ إِنْجَاءِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلِتَعْجِيلِ الْمَسَرَّةِ لِلسَّامِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ لِحُسْنِ عَوَاقِبِ أَسْلَافِهِمْ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ.
وَمَعْنَى (مِنَ الْغابِرِينَ) مِنَ الْهَالِكِينَ، وَالْغَابِرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُنْقَضِي، وَيُطْلَقُ عَلَى الْآتِي، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَأَشْهَرُ إِطْلَاقَيْهِ هُوَ الْمُنْقَضِي، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: غَبَرَ بِمَعْنَى هَلَكَ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا: أَيْ كَانَتْ مِنَ الْهَالِكِينَ، أَيْ هَلَكَتْ مَعَ مَنْ هَلَكَ مِنْ أَهْلِ (سَدُومَ) .
وَالْإِمْطَارُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَطَرِ، وَالْمَطَرُ اسْمٌ لِلْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّحَابِ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَطَرَ وَأَمْطَرَ أَنَّ مَطَرَ لِلرَّحْمَةِ وَأَمْطَرَ لِلْعَذَابِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي (سُورَةِ الْأَحْقَافِ) [24] : (قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا فَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى كِلْتَا التَّفْرِقَتَيْنِ، وَيُعَيِّنُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ أَغْلَبِيَّةً.
وَتَنْكِيرُ: (مَطَرًا) لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّعْجِيبِ أَيْ: مَطَرًا عَجِيبًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُهْلِكَ الْقُرَى.
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)
الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ وَالِاعْتِبَارِ.
وَالْخِطَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخطاب للنّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَى مَا يُلَاقِيهِ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأَنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ انْتِظَارَ الْعَوَاقِبِ.