(وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
كَلِمَةُ (أَوْ) مِنْ كَلَامِ الْحَاكِي فِي حِكَايَتِهِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْكَلَام المحكي فأو هنا لِتَقْسِيمِ الْقَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السَّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إِلَى قَائِلِهِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ (أَوْ) لَيْسَتْ مِنْ مِقُولِهِمُ الْمَحْكِيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مِقْوَلِهِمْ لَاقْتَضَى أَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجَاةِ وَأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إِمْكَانَ نَجَاةِ مُخَالِفِهِ وَالْمَعْلُومُ مِنْ حَالِ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَشُكُّ فِي نَجَاةِ نَفْسِهِ وَلَا يَشُكُّ فِي ضَلَالِ مُخَالِفِهِ وَهِيَ أَيْضًا قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِ كُلٍّ مِنْ خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الْجُمْلَةِ الْمُشْتَرِكَةِ الَّتِي قَالَهَا كُلُّ فَرِيقٍ بِإِرْجَاعِ هُودًا إِلَى مَقُولِ الْيَهُودِ وَإِرْجَاعِ نَصَارَى إِلَى مَقُولِ النَّصَارَى.
وَقَوْلُهُ: (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
وَأَتَى بِإِنْ الْمُفِيدَةَ لِلشَّكِّ فِي صِدْقِهِمْ مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ الصِّدْقِ لِاسْتِدْرَاجِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ غَيْرُ صَادِقِينَ حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ الْبُرْهَانِ لِأَنَّ كُلَّ اعْتِقَادٍ لَا يُقِيمُ مُعْتَقِدِهِ دَلِيلَ اعْتِقَادِهِ فَهُوَ اعْتِقَادٌ كَاذِبٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ دَلِيلٌ لَاسْتَطَاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَا يَكُونُ صَادِقًا عِنْدَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُرَوِّجَ عَلَيْهِ اعْتِقَادَهُ.
وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ هُوَ تَسْلِيمُ الذَّاتِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ شِدَّةُ الِامْتِثَالِ لِأَنَّ أَسْلَمَ بِمَعْنَى أَلْقَى السِّلَاحَ وَتَرَكَ الْمُقَاوَمَةَ قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمرَان: 20] .
وَالْوَجْهُ هُنَا الذَّاتُ عَبَّرَ عَنِ الذَّاتِ بِالْوَجْهِ لِأَنَّهُ الْبَعْضُ الْأَشْرَفُ مِنَ الذَّاتِ كَمَا قَالَ الشَّنْفَرِيُّ: إِذَا قَطَعُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرِيُّ
وَمِنْ إِطْلَاقِ الْوَجْهِ عَلَى الذَّاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) [الرَّحْمَن: 27] .
وَأُطْلِقَ الْوَجْهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَقُولُ جَاءَ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ عَلَى حَقِيقَتِهِ قَالَ الْأَعْشَى:
وَأَوَّلُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهِهِ ... لَيْسَ قَضَاءٌ بِالْهَوَى الْجَائِرِ
وَوُجُوهُ النَّاسِ أَشْرَافُهُمْ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَسْلَمَ) بِمَعْنَى أَخْلَصَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّلَامَةِ أَيْ جَعْلِهِ سَالِمًا وَمِنْهُ (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) [الزمر: 29] .
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ مُحْسِنٌ) جِيءَ بِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ لِإِظْهَارِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي إِسْلَامُ الْقَلْبِ وَحْدَهُ وَلَا الْعَمَلُ بِدُونِ إِخْلَاصٍ بَلْ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِهِمَا وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَوْقَ ذَلِكَ إِذْ لَا يَخْلُو امْرِؤٌ عَنْ تَقْصِيرٍ.
وَجَمْعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) اعْتِبَارًا بِعُمُومِ (من) كَمَا أَفْرَاد الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: (وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) اعْتِبَارًا بِإِفْرَادِ اللَّفْظِ وَهَذَا مِنْ تَفَنُّنِ الْعَرَبِيَّةِ لِدَفْعِ سآمة التّكْرَار.