(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53)
عُطِفَ النَّصَارَى عَلَى الْيَهُودِ هُنَا، لِأَنَّ السَّبَبَ الدَّاعِيَ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ وَاحِدٌ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالنُّفْرَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ رِسَالَة محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَالنَّصَارَى وَإِنْ لَمْ تَجِئْ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَذَاةٌ مِثْلَ الْيَهُودِ فَيُوشِكُ أَنْ تَجِيءَ مِنْهُمْ إِذَا وُجِدَ دَاعِيهَا.
وَفِي هَذَا مَا يُنَبِّهُ عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ هُنَا عَنْ مُوَالَاةِ النَّصَارَى وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) [الْمَائِدَة: 82] .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ قُرْبَهَا، وَقَدْ أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ مُجَاوِرِينَ تُخُومَ بِلَادِ نَصَارَى الْعَرَبِ.
وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أَيْ أَنَّهُمْ أَجْدَرُ بِوَلَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أَيْ بِوَلَايَةِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بَعْضَ أَهْلِ فَرِيقِهِ، لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ تَتَقَارَبُ أَفْرَادُهُ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ فَيَسْهُلُ الْوِفَاقُ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الْيَهُودَ أَوْلِيَاءُ النَّصَارَى.
وَتَنْوِينُ (بَعْضٍ) تَنْوِينُ عِوَضٍ، أَيْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِهِمْ.
وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ مُوَالَاتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَنْ نَهْيِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ فَرِيقٍ مِنْهُمَا.
وَالْوَلَايَةُ هُنَا وَلَايَةُ الْمَوَدَّةِ وَالنُّصْرَةِ وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْمِيرَاثِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِتَوْرِيثِ الْيَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَالْعَكْسِ أَخْذًا بقول النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِتَوْرِيثِ بَعْضِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ بَعْضٍ وَرَأَيَا الْكُفْرَ مِلَّةً وَاحِدَةً أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُود.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ تَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ يَصِيرُ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
جَعَلَ وَلَايَتَهُمْ مُوجِبَةَ كَوْنِ الْمُتَوَلِّي مِنْهُمْ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي أَنَّ وَلَايَتَهُمْ دُخُولٌ فِي مِلَّتِهِمْ، لِأَنَّ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ هُنَا لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالْكَوْنِ فِي دِينِهِمْ.
وَقَدْ تَأَوَّلَهَا الْمُفَسِّرُونَ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: إِمَّا بِحَمْلِ الْوَلَايَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ) عَلَى الْوَلَايَةِ الْكَامِلَةِ الّتي هِيَ الرّضى بِدِينِهِمْ وَالطَّعْنُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَنْ تَوَلَّاهُمْ بِمُعْتَقَدِهِ وَدِينِهِ فَهُوَ مِنْهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ.
وَإِمَّا بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنْ تَوَلَّاهُمْ بِأَفْعَالِهِ مِنَ الْعَضْدِ وَنَحْوِهِ دُونَ مُعْتَقَدِهِمْ وَلَا إِخْلَالٍ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ مِنْهُمْ فِي الْمَقْتِ وَالْمَذَمَّةِ الْوَاقِعَةِ عَلَيْهِمْ اهـ.
وَهَذَا الْإِجْمَالُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) مُبَالَغَةٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْآيَةِ، فَاللَّهُ لَمْ يَرْضَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ بِأَنْ يَتَوَلَّوُا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْبِسُهُمْ بِالْمُنَافِقِينَ.
وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَا دُونُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَمُمَالَأَتِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الْوَلَايَةِ لَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنَ الرِّبْقَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَلَكِنَّهُ ضَلَالٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ مَرَاتِبُ فِي الْقُوَّةِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمُوَالَاةِ وَبِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَجُمْلَةُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تَذْيِيلٌ لِلنَّهْيِ، وَعُمُومُ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ شَمِلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَمَوْقِعُ الْجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالظَّالِمِينَ الْكَافِرُونَ.
قَوْلُهُ: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ)
وَالْمَرَضُ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى النِّفَاقِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ مَرَضٌ لِأَنَّهُ كُفْرٌ مُفْسِدٌ لِلْإِيمَانِ.
(يُسارِعُونَ فِيهِمْ)
وَفِي الْمَجْرُورِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ، لِأَنَّ الْمُسَارَعَةَ لَا تَكُونُ فِي الذَّوَاتِ، فَالْمَعْنَى: يُسَارِعُونَ فِي شَأْنِهِمْ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ أَوْ فِي نُصْرَتِهِمْ.
وَالدَّائِرَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ دَارَ إِذَا عَكَسَ سَيْرَهُ، فَالدَّائِرَةُ تَغَيُّرُ الْحَالِ، وَغَلَبَ إِطْلَاقُهَا عَلَى تَغَيُّرِ الْحَالِ مِنْ خَيْرٍ إِلَى شَرٍّ، وَدَوَائِرُ الدَّهْرِ: نُوَبُهُ وَدُوَلُهُ، قَالَ تَعَالَى: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) [التَّوْبَة: 98] أَيْ تَبَدُّلَ حَالِكُمْ مِنْ نَصْرٍ إِلَى هَزِيمَةٍ.
وَأَصْلُ تَأْنِيثِهَا لِلْمَرَّةِ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى التغيّر مُلَازمَة لصيغة التَّأْنِيثِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي (أَهؤُلاءِ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعَجُّبِ مِنْ نِفَاقِهِمْ.
وهؤُلاءِ إِشَارَةٌ إِلَى طَائِفَةٍ مُقَدَّرَةِ الْحُصُولِ يَوْمَ حُصُولِ الْفَتْحِ، وَهِيَ طَائِفَةُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.
وَجَهْدُ الْأَيْمَانِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - أَقْوَاهَا وَأَغْلَظُهَا، وَحَقِيقَةُ الْجَهْدِ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ وَمُنْتَهَى الطَّاقَةِ، وَفِعْلُهُ كَمَنَعَ.
ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى أَشَدِّ الْفِعْلِ وَنِهَايَةِ قُوَّتِهِ لِمَا بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالْمَشَقَّةِ مِنَ الْمُلَازَمَةِ، وَشَاعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْآيَةِ فِي مَعْنَى أوكد الْأَيْمَان وأغظلها، أَيْ أَقْسَمُوا أَقْوَى قَسَمٍ، وَذَلِكَ بِالتَّوْكِيدِ وَالتَّكْرِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُغَلَّظُ بِهِ الْيَمِينُ عُرْفًا.
وَلَمْ أَرَ إِطْلَاقَ الْجَهْدِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا قَبْلَ الْقُرْآنِ.