فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): الْآيَات 55 إِلَى 56]

(وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

وَإِنَّمَا عَدَّى نُؤْمِنَ بِاللَّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَلَنْ نُقِرَّ لَكَ بِالصِّدْقِ وَالَّذِي دَلَّ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ هُوَ اللَّامُ وَهِيَ طَرِيقَةُ التَّضْمِينِ.

وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ أَنْ يَقُولَ عِيَانًا إِلَى قَوْلِهِ (جَهْرَةً) لِأَنَّ جَهْرَةً أَفْصَحُ لَفْظًا لِخِفَّتِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَبْدُوءٍ بِحَرْفِ حَلْقٍ وَالِابْتِدَاءُ بِحَرْفِ الْحَلْقِ أَتْعَبُ لِلْحَلْقِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ وَلِسَلَامَتِهِ مِنْ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِي الْبُلَغَاءُ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ عَلَى بَعْضٍ لِحُسْنِ وَقْعِهَا فِي الْكَلَامِ وَخِفَّتِهَا عَلَى السَّمْعِ وَلِلْقُرْآنِ السَّهْمُ الْمُعَلَّى فِي ذَلِكَ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ.

وَقَوْلُهُ: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) أَيْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَمَّا بَدَا مِنْهُمْ مِنَ الْعَجْرَفَةِ وَقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِالْمُعْجِزَاتِ.

وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَاقَبَ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَوْ كُفْرٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قُدِّرَ أَنَّ مَوْتَهُمْ بِالصَّاعِقَةِ لَا يَدُومُ إِلَّا قَلِيلًا فَلَمْ تَكُنْ مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ.

وَبِهِ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ فِي إِصَابَةِ الصَّاعِقَةِ لَهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحِيلَةٌ وَأَنَّ سُؤَالَهَا وَالْإِلْحَاحَ فِيهِ كُفْرٌ كَمَا زَعَمَ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَنْ لَا حَاجَةَ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّاعِقَةَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ تَعَالَى يُشَبِّهُ الْأَجْسَامَ فَكَانُوا بِذَلِكَ كَافِرِينَ إِذْ لَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ وَلَا غَيْرِهَا عَلَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا، كَيْفَ وَقَدْ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) إِيجَازٌ بَدِيعٌ، أَيْ فَمُتُّمْ مِنَ الصَّاعِقَةِ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، وَهَذَا خارق عهادة جعل اللَّهِ مُعْجِزَةً لِمُوسَى اسْتِجَابَةً لِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ أَوْ كَرَامَةً لَهُمْ مِنْ بَعْدِ تَأْدِيبِهِمْ إِنْ كَانَ السَّائِلُونَ هُمُ السَبْعِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْ صَالِحِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.

فَإِنْ قُلْتَ إِذَا كَانَ السَّائِلُونَ هُمُ الصَّالِحِينَ فَكَيْفَ عُوقِبُوا؟

قُلْتُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عِقَابٌ دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ يَنَالُ الصَّالِحِينَ وَيُسَمَّى عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ بِالْعِتَابِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْكَرَامَةَ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ مُوسَى سَأَلَ رُؤْيَةَ رَبِّهِ فَتَجَلَّى الله للجبل فَجعله دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ.

فَإِنْ قُلْتَ إِنَّ الْمَوْتَ يَقْتَضِي انْحِلَالَ التَّرْكِيبِ الْمِزَاجِيِّ فَكَيْفَ يَكُونُ الْبَعْثُ بَعْدَهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ إِعَادَةِ الْخَلْقِ؟

قُلْتُ: الْمَوْتُ هُوَ وُقُوفُ حَرَكَةِ الْقَلْبِ وَتَعْطِيلُ وَظَائِفِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ فَإِذَا حَصَلَ عَنْ فَسَادٍ فِيهَا لَمْ تَعْقُبْهُ حَيَاةٌ إِلَّا فِي يَوْمِ إِعَادَةِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) [الدُّخان: 56] وَإِذَا حَصَلَ عَنْ حَادِثٍ قَاهِرٍ مَانِعٍ وَظَائِفَ الْقَلْبِ مِنْ عَمَلِهَا كَانَ لِلْجَسَدِ حُكْمُ الْمَوْتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الرُّجُوعَ إِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ أَسْبَابُ الْحَيَاةِ بِزَوَالِ الْمَوَانِعِ الْعَارِضَةِ، وَقَدْ صَارَ الْأَطِبَّاءُ الْيَوْمَ يَعْتَبِرُونَ بَعْضَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُعَطِّلُ عَمَلَ الْقَلْبِ اعْتِبَارَ الْمَوْتِ وَيُعَالِجُونَ الْقَلْبَ بِأَعْمَالٍ جِرَاحِيَّةٍ تُعِيدُ إِلَيْهِ حَرَكَتَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت