(وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(193)
وَانْتِفَاءُ الْفِتْنَةِ يَتَحَقَّقُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَام فتنزل فِتْنَتُهُمْ فِيهِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُقْتَلُوا جَمِيعًا فَتَزُولَ الْفِتْنَةُ بِفَنَاءِ الْفَاتِنِينَ.
وَقَدْ يُفْرَضُ انْتِفَاءُ الْفِتْنَةِ بِظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وَمَصِيرِ الْمُشْرِكِينَ ضُعَفَاءَ أَمَامَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ يَخْشَوْنَ بَأْسَهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنِ التَّصَلُّبِ فِي دِينِهِمْ وَشِرْكِهِمْ لَمْ تَكُنْ بِالَّتِي تَضْمَحِلُّ عِنْدَ ضَعْفِهِمْ، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى إِرْضَاءِ الْعَقِيدَةِ يَصْدُرُ حَتَّى مِنَ الضَّعِيفِ كَمَا صَدَرَ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الْمَدِينَةِ فِي مِثْلِ قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَقَتْلِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْحَارِثِيَّ فِي خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا إِلَّا أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَإِمَّا إِفْنَاؤُهُمْ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ حَصَلَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي الْمُشْرِكِينَ فَفَرِيقٌ أَسْلَمُوا، وَفَرِيقٌ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْغَزَوَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تقبل من مُشْرِكين الْعَرَبِ الْجِزْيَةُ، وَمِنْ ثَمَّ فَسَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْفِتْنَةَ هُنَا بِالشِّرْكِ تَفْسِيرًا بِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَعْنَى لَا بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ.