(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ(247)
أَعَادَ الْفِعْلَ فِي قَوْلِهِ: (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ حَذَّرَهُمْ عَوَاقِبَ الْحُكُومَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَحَذَّرَهُمُ التَّوَلِّيَ عَنِ الْقِتَالِ، تَكَلَّمَ مَعَهُمْ كَلَامًا آخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِـ (إِنَّ) إِيذَانٌ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يُتَلَقَّى بِالِاسْتِغْرَابِ وَالشَّكِّ، كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا) .
وَلَمْ يُجِبْهُمْ نَبِيئُهُمْ عَنْ قَوْلِهِ: (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ: (وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) فَإِنَّهُ بِبَسْطَةِ الْعِلْمِ وَبِالنَّصْرِ يَتَوَافَرُ لَهُ الْمَالُ لِأَنَّ «الْمَالَ تَجْلِبُهُ الرَّعِيَّةُ» كَمَا قَالَ أرسطاطاليس، وَلِأَنَّ الْمَلِكَ وَلَوْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ، فَثَرْوَتُهُ لَا تَكْفِي لِإِقَامَةِ أُمُورِ الْمَمْلَكَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ وُلَاةِ الْأُمُورِ مِنَ الْخَلِيفَةِ فَمَا دُونَهُ أَنْ يَكُونَ ذَا سَعَةٍ، وَقَدْ وَلِيَ عَلَى الْأُمَّةِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَلَمْ يَكُونُوا ذَوِي يَسَارٍ، وَغِنَى الْأُمَّةِ فِي
بَيْتِ مَالِهَا وَمِنْهُ تَقُومُ مَصَالِحُهَا، وَأَرْزَاقُ وُلَاةِ أُمُورِهَا.