فهرس الكتاب

الصفحة 2607 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 74]

(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(74)

وآزَرَ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ.

وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عُرِفَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ اسْمُهُ آزَرُ فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مُعْتَنِينَ بِذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَنَسَبِهِ وَأَبْنَائِهِ.

وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ أَسْمَاءِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا ذُكِرَ اسْمُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا لِقَصْدٍ سَنَذْكُرُهُ.

وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاسْمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ.

وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ أَنَّ اسْمَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (تَارَحُ) - بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ -.

قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّسَّابِينَ فِي أَنَّ اسْمَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ تَارَحُ.

وَتَبِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْجُوَيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي «تَفْسِيرِ النُّكَتِ» .

وَفِي كَلَامِهِمَا نَظَرٌ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَنْفِيَّ إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ آزَرَ اسْمٌ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ بَيْنَ قَوْمِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ فِي لُغَةٍ أُخْرَى غَيْرَ لُغَةِ قَوْمِهِ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ (آزَرَ) وَصْفٌ.

وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» : أَنَّ مِنَ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ (آزَرُ) عَمَّ إِبْرَاهِيمَ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَبِ لِأَنَّ الْعَمَّ قَدْ يُقَالُ لَهُ: أَبٌ.

وَنُسِبَ هَذَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ.

وَهَذَا بَعِيدٌ لَا يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إِلَيْهِ فَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ هَذِهِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ أَبِيهِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَمُّهُ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ كُلِّهَا.

قَالَ الْفَخْرُ: وَقَالَتِ الشِّيعَةُ: لَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنْ آبَاءِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْدَادِهِ كَافِرًا.

وَأَنْكَرُوا أَنَّ (آزَرَ) أَبٌ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِنَّمَا كَانَ عَمَّهُ.

وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ.

قُلْتُ: هُوَ كَمَا قَالَ الْفَخْرُ مِنْ عَدَمِ الْتِزَامِ هَذَا وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي «رِسَالَةٍ» لِي فِي طَهَارَةِ نَسَبِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي خُلُوصَ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ خُلُوصًا جِبِلِّيًّا لِأَنَّ الْخُلُوصَ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ هُوَ الْخُلُوصُ مِمَّا يُتَعَيَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ.

وَالِاسْتِفْهَامُ فِي (أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَحْكِيَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَوْقِفٌ مِنْ مَوَاقِفِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ مَوْقِفُ غِلْظَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنّه كَانَ عِنْد مَا أَظْهَرَ أَبُوهُ تَصَلُّبًا فِي الشِّرْكِ.

وَهُوَ مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَبُوهُ (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) [مَرْيَم: 46] وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْقِفِ الَّذِي خَاطَبَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ

الْآيَاتِ فِي (سُورَةِ مَرْيَمَ) [42] .

وَمَعْنَى (تَتَّخِذُ) هُنَا تَصْطَفِي وَتَخْتَارُ فَالْمُرَادُ أَتَعْبُدُ أَصْنَامًا.

وَفِي فِعْلِ (تَتَّخِذُ) إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُفْتَعَلٌ وَأَنَّ الْأَصْنَامَ لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْإِلَهِيَّةِ.

وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِسَخَافَةِ عَقْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ إِلَهَهُ شَيْئًا هُوَ صَنَعَهُ.

وَقَدْ تَضَمَّنَ مَا حُكِيَ مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَعْلُهُ الصُّوَرَ آلِهَةً مَعَ أَنَّهَا ظَاهِرَةُ الِانْحِطَاطِ عَنْ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَثَانِيهُمَا تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ وَلِذَلِكَ جُعِلَ مَفْعُولَا تَتَّخِذُ جَمْعَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَتَتَّخِذُ الصَّنَمَ إِلَهًا.

وَجُمْلَةُ: (إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبَيِّنَةٌ) لِلْإِنْكَارِ فِي جُمْلَةِ: (أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً) .

وَأَكَّدَ الْإِخْبَارَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ مِنْ كَوْنِ ضَلَالِهِمْ بَيِّنًا، وَذَلِكَ مِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُخَاطَبُ.

وَالرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً قُصِدَ مِنْهَا فِي كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ضَلَالَ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ صَارَ كَالشَّيْءِ الْمُشَاهَدِ لِوُضُوحِهِ فِي أَحْوَالِ تَقَرُّبَاتِهِمْ لِلْأَصْنَامِ مِنَ الْحِجَارَةِ فَهِيَ حَالَةٌ مُشَاهَدٌ مَا فِيهَا مِنَ الضَّلَالِ.

وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.

وَيَجُوزُ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيَّةً، وَقَوْلُهُ: (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي.

وَفَائِدَةُ عَطْفِ (وَقَوْمَكَ) عَلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ أَبَاهُ فِي ضَلَالٍ

يَقْتَضِي أَنْ يَرَى مُمَاثِلِيهِ فِي ضَلَالٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ صَرَاحَةٍ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَلِيُنَبِّئَهُ مِنْ أَوَّلِ وهلة على أَنَّ مُوَافَقَةَ جَمْعٍ عَظِيمٍ إِيَّاهُ عَلَى ضلاله لَا تعضّد دِينَهُ وَلَا تُشَكِّكُ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ.

وَوَصْفُ الضَّلَالِ بِـ (مُبِينٍ) نِدَاءٌ عَلَى قُوَّةِ فَسَادِ عُقُولِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِضَلَالِهِمْ مَعَ أَنَّهُ كَالْمُشَاهَدِ الْمَرْئِيِّ.

وَمُبَاشَرَتُهُ إِيَّاهُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْغَلِيظِ كَانَتْ فِي بَعْضِ مُجَادَلَاتِهِ لِأَبِيهِ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ لَهُ بِالدَّعْوَةِ بِالرِّفْقِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا - إِلَى قَوْلِهِ - سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) [مَرْيَم: 42 - 47] .

فَلَمَّا رَأَى تَصْمِيمَهُ عَلَى الْكُفْرِ سَلَكَ مَعَهُ الْغِلْظَةَ اسْتِقْصَاءً لِأَسَالِيبِ الْمَوْعِظَةِ لَعَلَّ بَعْضَهَا أَنْ يَكُونَ أَنْجَعَ فِي نَفْسِ أَبِيهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّ لِلنُّفُوسِ مَسَالِكَ وَلِمَجَالِ أَنْظَارِهَا مَيَادِينُ مُتَفَاوِتَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النَّحْل: 125] ، وَقَالَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التَّوْبَة: 73] .

فَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ مَوَاقِفِهِ مَعَ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا تنَافِي الْبُرُورَ بِهِ لِأَنَّ الْمُجَاهَرَةَ بِالْحَقِّ دُونَ سَبٍّ وَلَا اعتداء لَا يُنَافِي الْبُرُورَ.

وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يُخَطِّئُونَ أَسَاتِذَتَهُمْ وَأَئِمَّتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ بِدُونِ تَنْقِيصٍ.

وَقَدْ قَالَ أَرِسْطَالِيسُ فِي اعْتِرَاضٍ عَلَى أَفْلَاطُونَ: أَفْلَاطُونُ صَدِيقٌ وَالْحَقُّ صَدِيقٌ لَكِنَّ الْحَقَّ أَصْدَقُ.

عَلَى أَنَّ مَرَاتِبَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الشَّرَائِعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت