(وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ(41)
وَفِي تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ وَهُوَ (مَا أُنْزِلَتْ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ نَحْوَ الْكِتَابِ أَوِ الْقُرْآنِ أَوْ هَذَا الْكِتَابِ إِيمَاءً إِلَى تَعْلِيلِ الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وَهُمْ قَدْ أَوْصَوْا بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ كِتَابٍ يَثْبُتُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
وَلِهَذَا أَتَى بِالْحَالِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الصِّلَةِ إِذْ جَعَلَ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَهِيَ الْعَلَامَةُ الدِّينِيَّةُ الْمُنَاسِبَةُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَمَا جَعَلَ الْإِعْجَازَ اللَّفْظِيَّ عَلَامَةً عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (الم ذلِكَ الْكِتابُ) [الْبَقَرَة: 1، 2] إِلَى قَوْلِهِ: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [الْبَقَرَة: 23] كَذَلِكَ جَعَلَ الْإِعْجَازَ الْمَعْنَوِيَّ وَهُوَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْهُدَى الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَّامَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ.
ثُمَّ الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِالَّذِي جَاءَ بِهِ وَبِالَّذِي أَنْزَلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِمَا مَعَهُمْ كُتُبُ التَّوْرَاةِ الْأَرْبَعَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالزَّبُورِ، وَكِتَابِ أَشْعِيَاءَ، وَأَرْمِيَاءَ، وَحَزْقِيَالَ، وَدَانْيَالَ وَغَيْرِهَا وَلِذَا اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِمَا مَعَكُمْ دُونَ التَّوْرَاةِ مَعَ أَنَّهَا عُبِّرَ بِهَا فِي مَوَاضِعَ غَيْرِ هَذَا لِأَنَّ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِشَارَاتٍ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْرَحَ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ فَكَانَ التَّنْبِيهُ إِلَيْهَا أَوْقَعَ.
وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْهُدَى الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْأَمْرِ بِالْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَمن الْوَعيد والوعد وَالْمَوَاعِظِ وَالْقَصَصِ فَمَا تَمَاثَلَ مِنْهُ بِهَا فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ، وَمَا اخْتَلَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ وَالْعُصُورِ مَعَ دُخُولِ الْجَمِيعِ تَحْتَ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ نَسْخًا لِأَنَّ النَّسْخَ إِزَالَةُ حُكْمٍ ثَابِتٍ وَلَمْ يُسَمَّ إبطالا أَو تكذبيا فَظَهَرَ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ حَتَّى فِيمَا جَاءَ مُخَالِفًا فِيهِ لِمَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُ يُنَادِي عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَغْيِيرُ أَحْكَامٍ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ بِسَبَبِ تَفَاوُتِ الْأَعْصَارِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُغَيِّرُ وَالْمُغَيَّرُ حَقًّا بِحَسَبِ زَمَانِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِبْطَالًا وَلَا تَكْذِيبًا قَالَ تَعَالَى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ) [النِّسَاء: 160] الْآيَةَ.
فَالْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ لَا يُنَافِي تَمَسُّكَهُمُ الْقَدِيمَ بِدِينِهِمْ وَلَا مَا سَبَقَ مِنْ أَخْذِ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِاتِّبَاعِهِ.
(وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ)
جَمْعُ الضَّمِيرِ فِي (تَكُونُوا) مَعَ إِفْرَادِ لَفْظِ (كافِرٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَافِرِ فَرِيقٌ ثَبَتَ لَهُ الْكُفْرُ لَا فَرْدٌ وَاحِدٌ فَإِضَافَةُ أَوَّلَ إِلَى كافِرٍ بَيَانِيَّةٌ تُفِيدُ مَعْنَى فَرِيقٍ هُوَ أَوَّلُ فِرَقِ الْكَافِرِينَ.
وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي (بِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى بِما أَنْزَلْتُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي الدَّعْوَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْقُلُوبِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَكَانَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ مُحْتَمِلَةً لِطَلَبِ الِامْتِثَالِ بِالْفَوْرِ أَوْ بِالتَّأْخِيرِ وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ بِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ، عَطَفَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ نَهْيَهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِالْقُرْآنِ وَذَلِكَ يُصَدَّقُ بِمَعَانٍ بَعْضُهَا يُسْتَفَادُ مِنْ حَقِّ التَّرْكِيبِ وَبَعْضُهَا مِنْ لَوَازِمِهِ وَبَعْضُهَا مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِهِ وَكُلُّهَا تَحْتَمِلُهَا الْآيَةُ، فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: (أَوَّلَ كافِرٍ) عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ السَّابِقُ غَيْرَهُ فَيَحْصُلُ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ تَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ فَالنَّهْيُ عَنِ الْكُفْرِ بِالْقُرْآنِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ) ثُمَّ إِنَّ وَصْفَ (أَوَّلَ) يُشْعِرُ بِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِالْوَصْفِ وَلَكِنْ قَرِينَةُ السِّيَاقِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الْكُفْرِ بِحَالَةِ أَوَّلِيَّتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُبَادِرِينَ بِالْكُفْرِ وَلَا سَابِقِينَ بِهِ غَيْرَهُمْ لِقِلَّةِ جَدْوَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ فَأُفِيدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ فَإِنَّ وَصْفَ أَوَّلَ أَصْلُهُ السَّابِقُ غَيْرَهُ فِي عَمَلٍ يُعْمَلُ أَوْ شَيْءٍ يُذْكَرُ فَالسَّبْقُ وَالْمُبَادَرَةُ مِنْ لَوَازِمِ مَعْنَى الْأُولَى لِأَنَّهَا بَعْضُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ نَقِيضَيْنِ إِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ كَانَ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَوْبِيخُهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِمْ فِي اتِّبَاعِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ هَذَا الْمُرَكَّبُ قَدْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ مَعْنَيَيْنِ مِنْ مَلْزُومَاتِهِ، هُمَا مَعْنَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى التَّوْبِيخِ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ مَعْنَى النَّهْيِ مُرَادًا وَلَازِمُهُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْإِيمَانِ مُرَادًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ كِنَايَةً اجْتَمَعَ فِيهَا الْمَلْزُومُ وَاللَّازِمُ مَعًا، فَبِاعْتِبَارِ اللَّازِمِ يَكُونُ النَّهْيُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ فَيَتَأَكَّدُ بِهِ الْأَمْرُ الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ وَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَلْزُومِ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ غَرَضَانِ.
وَهَذِهِ الْكِنَايَةُ تَعْرِيضِيَّةٌ لِأَنَّ غَرَضَ الْمَعْنَى الْكِنَائِيِّ غَيْرُ غَرَضِ الْمَعْنَى الصَّرِيحِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّعْرِيضِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ الْحُكْمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهِ غَيْرَ غَرَضِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ غَيْرَ الْمَحْكُومِ لَهُ بِالصَّرِيحِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى الظَّاهِرِ وَالتَّحْقِيقِ بَيْنَ مُتَنَاثِرِ كَلَامِهِمْ فِي التَّعْرِيضِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْكِنَايَةِ
وَيَنْدَفِعُ بِهَذَا سُؤَالَانِ مستقلان أَحدهمَا ناشئ عَمَّا قَبْلَهُ: الْأَوَّلُ كَيْفَ يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَوْ كَفَرُوا بِهِ ثَانِيًا لَمَا كَانَ كُفْرُهُمْ مَنْهِيًّا عَنْهُ؟
الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ سَبَقَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ لِلْكُفْرِ لِأَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ فِي خِطَابِ الْيَهُودِ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ فَالنَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ.
وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ هُوَ الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيُّ وَهُوَ يَقُومُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنَ النَّهْيِ أَنْ لَا يَكُونُوا مِنَ الْمُبَادِرِينَ بِالْكُفْرِ أَيْ لَا يَكُونُوا مُتَأَخِّرِينَ فِي الْإِيمَانِ وَهَذَا أَوَّلُ الْوُجُوهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عِنْدَ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي خُصُوصِ وَصْفِ «أَوَّلَ» وَأَمَّا أَصْلُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا كَافِرِينَ بِهِ فَذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَصَرِيحًا.
وَالتَّعْرِيضُ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَعْنَى إِلَى لَوَازِمِهِ.
وَبَعْضُ التَّعْرِيضِ يَحْصُلُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَلَامِ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَهُوَ مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِ التَّرَاكِيبِ وَدِلَالَتِهَا الْعَقْلِيَّةِ وَسَيَجِيءُ لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ) [الْبَقَرَة: 235] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنَ الْيَهُودِ كُفْرًا أَيْ لَا تَكُونُوا فِي عِدَادِهِمْ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» مِنْ قَوْلِهِ: «وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ وَلَا تَكُونُوا مِثْلَ أَوَّلِ كَافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَنْ أَشْرَكَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ» وَلَا يُرِيدُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ يُوهِمُهُ وَسَكَتَ عَنْهُ شُرَّاحُهُ.
الْمَعْنَى الثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ مِنْ «أَوَّلَ» الْمُبَادِرُ وَالْمُسْتَعْجِلُ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) [الزخرف: 81] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَقْرُومٍ الضَّبِّيُّ:
فَدَعَوْا نَزَالِ فَكُنْتُ أَوَّلَ نَازِلٍ ... وَعَلَامَ أَرْكَبُهُ إِذَا لَمْ أَنْزِلِ
فَقَوْلُهُ: أَوَّلَ نَازِلٍ لَا يُرِيدُ تَحْقِيقَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ بَادَرَ مَعَ النَّاسِ فَإِنَّ الشَّأْنَ أَنَّهُ إِذَا دَعَا الْقَوْمُ نَزَالِ أَنْ يَنْزِلَ السَّامِعُونَ كُلُّهُمْ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَرَبَّصْ.
وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَلَا تَعْجَلُوا بِالتَّصْرِيحِ بِالْكُفْرِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْكُفْرِ هُنَا التَّصْمِيمُ عَلَيْهِ لَا الْبَقَاءُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْكِنَايَةُ بِالْمُفْرَدِ وَهُوَ كَلِمَةُ (أَوَّلَ) .
الْمَعْنَى الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ «أَوَّلَ» كِنَايَةً عَنِ الْقُدْوَةِ فِي الْأَمْرِ لِأَنَّ الرَّئِيسَ وَصَاحِبَ اللِّوَاءِ وَنَحْوَهُمَا يَتَقَدَّمُونَ الْقَوْمَ، قَالَ تَعَالَى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [هود: 98] .
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مِنْ يَسِيرُهَا
أَيِ الْأَجْدَرُ وَالنَّاصِرُ لِسُنَّةٍ، وَالْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا مُقِرِّينَ لِلْكَافِرِينَ بِكُفْرِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ شَاهَدُوا كُفْرَكُمْ كَفَرُوا اقْتِدَاءً بِكُمْ وَهَذَا أَيْضًا كِنَايَةٌ بِالْمُفْرَدِ.
الْمَعْنَى الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ فِي الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ هُوَ حَالٌ ثَانِيَة لِلْإِسْلَامِ، فِيمَا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ مُتَمَيِّزًا مُسْتَقِلًّا.
هَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: (كافِرٍ بِهِ) عَائِدًا على مَا (بِما أَنْزَلْتُ) أَيِ الْقُرْآنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي مُقَابِلِ الْإِيمَانِ بِهِ.
(وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)
وَالْآيَاتُ لَا تُسْتَبْدَلُ ذَوَاتُهَا فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ أَيْ لَا تَشْتَرُوا بِقَبُولِ آيَاتِي ثَمَنًا.
وَإِضَافَةُ آيَاتٍ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِلتَّشْرِيفِ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ: عِظَمُ الْآيَاتِ بِشَيْئَيْنِ الْجَمْعُ وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ وَحَقَّرَ الْعِوَضَ بِتَحْقِيرَيْنِ التَّنْكِيرُ وَالْوَصْفُ بِالْقِلَّةِ اهـ.
أَيْ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِغَبْنِ صَفْقَتِهِمْ إِذِ اسْتَبْدَلُوا نَفِيسًا بِخَسِيسٍ وَأَقُولُ وَصْفُ قَلِيلًا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي تُبَاعُ بِهِ إِضَاعَةُ الْآيَاتِ هُوَ قَلِيلٌ وَلَوْ كَانَ أَعْظَمَ مُتَمَوِّلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَضَاعَهُ آخِذُ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا الْمُرَادِ يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَقَدْ أُجْمِلَ الْعِوَضُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوا بِهِ الْآيَاتِ فَلَمْ يُبَيَّنْ أَهُوَ الرِّئَاسَةُ أَوِ الرِّشَى الَّتِي يَأْخُذُونَهَا لِيَشْمَلَ ذَلِكَ اخْتِلَافَ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَصُدُّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ عَلَى حسب اخْتِلَاف هَمهمْ.
وَوَصَفَ ثَمَنًا بِقَوْلِهِ: (قَلِيلًا) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدَ بِحَيْثُ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أَخْذِ عِوَضٍ قَلِيلٍ دُونَ أَخْذِ عِوَضٍ لَهُ بَالٌ وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مُلَازِمٌ لِلثَّمَنِ الْمَأْخُوذِ عِوَضًا عَنِ اسْتِبْدَالِ الْآيَاتِ فَإِنَّ كُلَّ ثَمَنٍ فِي جَانِبِ ذَلِكَ هُوَ قَلِيلٌ فَذِكْرُ هَذَا الْقَيْدِ مَقْصُودٌ بِهِ تَحْقِيرُ كُلِّ ثَمَنٍ فِي ذَلِكَ فَهَذَا النَّفْيُ شَبِيهٌ بِنَفْيِ الْقُيُودِ الْمُلَازِمَةِ لِلْمُقَيَّدِ لِيُفِيدَ نَفْيَ الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ مَعًا كَمَا فِي الْبَيْت الْمَشْهُور لامرئ الْقَيْسِ:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعُودُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا
أَيْ لَا مَنَارَ لَهُ فَيُهْتَدَى بِهِ لِأَنَّ الِاهْتِدَاءَ لَازِمٌ لِلْمَنَارِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ:
لَا يُفْزِعُ الْأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا ... وَلَا تَرَى الضبّ بهَا بنجحر
أَيْ لَا أَرْنَبَ بِهَا حَتَّى يَفْزَعَ مِنْ أَهْوَالِهَا وَلَا ضَبَّ بِهَا حَتَّى يَنْجَحِرَ، وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: مِثْلُ الزُّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ أَيْ عَيْنًا لَمْ تَرْمَدْ حَتَّى تُكْحَلَ لِأَنَّ التَّكْحِيلَ لَازِمٌ لِلْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ.
وَقَدْ وَقَعَ ثَمَنًا نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَهُوَ كَالنَّفْيِ فَشَمِلَ كُلَّ عِوَضٍ، كَمَا وَقَعَتِ الْآيَاتُ جَمْعًا مُضَافًا فَشَمِلَتْ كُلَّ آيَةٍ، كَمَا وَقَعَ الْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَشَمِلَ كُلَّ اشْتِرَاءٍ إِذِ الْفِعْلُ كَالنَّكِرَةِ.
(وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)
الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) إِلَّا أَنَّ التَّعْبِير فِي الأولى بِارْهَبُونِ وَفِي الثَّانِي بِاتَّقُونِ لِأَنَّ الرَّهْبَةَ مُقَدِّمَةٌ التَّقْوَى إِذِ التَّقْوَى رَهْبَةٌ مُعْتَبَرٌ فِيهَا الْعَمَلُ بِالْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الرَّهْبَةِ فَإِنَّهَا اعْتِقَادٌ وَانْفِعَالٌ دُونَ عَمَلٍ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَأْمُرُهُمْ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَنَاسَبَهَا أَنْ يُخَوَّفُوا مَنْ نَكْثِهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَأْمُرُهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْهُ بَقِيَّةُ دَهْمَائِهِمْ فَنَاسَبَهَا الْأَمْرُ بِأَنْ لَا يَتَّقُوا إِلَّا اللَّهَ.