فهرس الكتاب

الصفحة 3548 من 4110

[سُورَة الْأَنْفَال(8): آيَة 34]

(وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(34)

عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [الْأَنْفَال: 33] وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي بَيَانِ أَنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بِتَعْذِيبِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، بَيَانًا بِالصَّرَاحَةِ.

وَ (مَا) اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ الْمُبْتَدَإِ و (لَهُمْ) خَبَرُهُ، وَاللَّامُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّقْدِيرُ مَا الَّذِي ثَبَتَ لَهُمْ لِأَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُمْ عَذَابُ اللَّهِ فَكَلِمَةُ (مَا) اسْمُ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ، وَالْمَعْنَى: لَمْ يَثْبُتْ لَهُم شَيْء.

وَالْمَقْصُودُ الْكِنَايَةُ عَنِ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ وَحُلُولِهِ بِهِمْ، أَوْ تَوَقُّعِ حُلُولِهِ بِهِمْ، تَقول الْعَرَب: مَالك أَنْ لَا تُكْرَمَ، أَيْ: أَنْتَ حَقِيقٌ بِأَنْ تُكْرَمَ وَلَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِكْرَامِ شَيْءٌ، فَاللَّفْظُ نَفْيٌ لِمَانِعِ الْفِعْلِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْفِعْلَ تَوَفَّرَتْ أَسْبَابُهُ ثُمَّ انْتَفَتْ مَوَانِعُهُ، فَلَمْ يَبْقَ مَا يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.

وَالصَّدُّ الصَّرْفُ، وَمَفْعُولُ (يَصُدُّونَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ يَصُدُّونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) فَكَانَ الصَّدُّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَرِيمَةً عَظِيمَةً يَسْتَحِقُّ فَاعِلُوهُ عَذَابَ الدُّنْيَا قُبَيْلَ عَذَابِ الْآخِرَة، لِأَنَّهُ يؤول إِلَى الصَّدِّ عَنِ التَّوْحِيدِ.

وَهَذَا الصَّدُّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ الْآيَةُ: هُوَ عَزْمُهُمْ عَلَى صَدِّ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ عَنْ أَنْ يَحُجُّوا وَيَعْتَمِرُوا، وَلَعَلَّهُمْ أَعْلَنُوا بِذَلِكَ بِحَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَدْخُلُونَ مَكَّةَ.

وَفِي «الْكَشَّافِ» : «كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ فَنَصُدُّ مَنْ نَشَاءُ وَنُدْخِلُ مَنْ نَشَاءُ» .

وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ: أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ فَنَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، هُوَ مِنَ الْعَذَابِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَكْرِمَةً لَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤَاخِذْ عَامَّتَهُمْ بِظُلْمِ الْخَاصَّةِ بَلْ سَلَّطَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعَذَابِ مَا يُجَازِي كُفْرَهُ وَظُلْمَهُ وَإِذَايَتَهُ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَلِذَلِكَ عَذَّبَ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالْإِهَانَةِ نَفَرًا عُرِفُوا بِالْغُلُوِّ فِي كُفْرِهِمْ وَأَذَاهُمْ، مِثْلَ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَطُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَبِي جَهْلٍ، وَعَذَّبَ بِالْخَوْفِ وَالْجُوعِ مَنْ كَانُوا دُونَ هَؤُلَاءِ كُفْرًا وَاسْتَبَقَاهُمْ وَأَمْهَلَهُمْ فَكَانَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ أَسْلَمُوا بِقُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ وَهَؤُلَاءِ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، وَحَقَّقَ بِذَلِكَ رَجَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ

قَالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ» .

وَجُمْلَةُ: (وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ (يَصُدُّونَ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ إِظْهَارُ اعْتِدَائِهِمْ فِي صَدِّهِمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ مَنْ صَدَّ عَمًّا هُوَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ ظَالِمًا، وَمَنْ صَدَّ عَمَّا لَيْسَ مِنْ حَقِّهِ كَانَ أَشَدَّ ظُلْمًا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [الْبَقَرَة: 114] أَيْ لَا أَظْلَمَ مِنْهُ أَحَدَ لِأَنَّهُ مَنَعَ شَيْئًا عَنْ مُسْتَحِقِّهِ.

وَجُمْلَةُ: (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) تَعْيِينٌ لِأَوْلِيَائِهِ الْحَقِّ، وَتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ (وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ) مَعَ زِيَادَةِ مَا أَفَادَهُ الْقَصْرُ مِنْ تَعْيِينِ أَوْلِيَائِهِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ وِلَايَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلِذَلِكَ فُصَلَتْ.

وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِجُمْلَةِ الْقَصْرِ مَعَ اقْتِضَائِهِ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّقِينَ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِقَصْدِ التَّصْرِيحِ بِظُلْمِ الْمُشْرِكِينَ فِي صَدِّهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَنَّهُمْ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ جُمْلَةُ: (وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ) أَشَدَّ تَعَلُّقًا بِجُمْلَةِ: (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) مِنْ جُمْلَةِ: (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) وَكَانَتْ جُمْلَةُ: (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) كَالدَّلِيلِ، فَانْتَظَمَ الِاسْتِدْلَالُ أَبْدَعَ انْتِظَامٍ، وَلِمَا فِي إِنَاطَةِ وِلَايَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالْمُتَّقِينَ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ سُلِبَتْ عَنْهُمْ وِلَايَتُهُ لَيْسُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَهُوَ مَذَمَّةٌ لَهُمْ وَتَحْقِيقٌ لِلنَّفْيِ بِحُجَّةٍ.

وَإِنَّمَا نَفَى الْعِلْمَ عَنْ أَكْثَرِهِمْ دُونَ أَنْ يُقَالَ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَاقْتَضَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُمْ مَنْ أَيْقَنُوا بِصِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَفَاقُوا مِنْ غَفْلَتِهِمُ الْقَدِيمَةِ، وَلَكِنْ حَمَلَهُمْ عَلَى الْمُشَايَعَةِ لِلصَّادِّينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، الْعِنَادُ وَطَلَبُ الرِّئَاسَةِ، وَمُوَافَقَةُ الدَّهْمَاءِ عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ عُقَلَاءُ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ تَهَيَّأَ لِلْإِيمَانِ مِنْهُمْ مِثْلَ الْعَبَّاسِ وَعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَحَكِيم بن حزام وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَمَنِ اسْتَبَقَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ فَكَانُوا مِنْ نُصَرَائِهِ مِنْ بَعْدِ نُزُولِ هَذِه الْآيَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت