(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(176)
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَجَهِّزٌ لِحِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي قَضِيَّةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
فَضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: (يَسْتَفْتُونَكَ) غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ جَمْعٌ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ السَّائِلِينَ، عَلَى نَحْوِ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ قَدْ تَكَرَّرَ وَكَانَ آخِرُ السَّائِلَيْنِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَتَأَخَّرَ الْجَوَابُ لِمَنْ سَأَلَ قَبْلَهُ، وَعُجِّلَ الْبَيَانُ لَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ نَفْسَهُ مَيِّتًا مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَأَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ، فَيَكُونُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي مَادَّةِ السُّؤَالِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَة، نَحْو: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) [الْبَقَرَة: 189] ، (وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) [الْبَقَرَة: 219] .
لِأَنَّ شَأْنَ السُّؤَالِ يَتَكَرَّرُ، فَشَاعَ إِيرَادُهُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَقَدْ يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُ بَعْضِ صِيَغِ الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِعِ، وَمِنْهُ غَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ الْمُضَارِعِ فِي الدُّعَاءِ فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ: كَقَوْلِ عَائِشَةَ «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ» (تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ) .
وَقَوْلِهِمْ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ» .
وَمِنْهُ غَلَبَةُ الْمَاضِي مَعَ (لَا) النافية فِي الدُّعَاءِ إِذَا لَمْ تُكَرَّرْ (لَا) نَحْوُ «فَلَا رَجَعَ» .
عَلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ قَدْ تَكَرَّرَ فِيهَا السُّؤَالُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مُرَاجِعَتِي إِيَّاهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهَا حَتَّى طَعَنَ فِي نَحْرِي، وَقَالَ: «يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ» .
وَقَدْ سَمَّى النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ بِآيَةِ الصَّيْفِ، وَعُرِفَتْ بِذَلِكَ، كَمَا عُرِفَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِآيَةِ الشِّتَاءِ، وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ نَزَلَتْ فِي مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الشِّتَاءِ إِلَى الصَّيْفِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَلَالَةَ فِي أَرْبَعِ آيَاتٍ: آيَتَيْ هَذِهِ السُّورَةِ الْمَذْكُورِ فِيهَا لَفْظُ الْكَلَالَةِ، وَآيَةٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النِّسَاء: 11] .
وَآيَةِ آخِرِ (الْأَنْفَالِ) [75] وَهِي قَوْله: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) عِنْدَ مَنْ رَأَى تَوَارُثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ فَرِيضَةٍ لَيْسَ فِيهَا وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ فَهِيَ كَلَالَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا وَلَدٌ وَفِيهَا وَالِدٌ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكَلَالَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ: هِيَ كَلَالَةٌ.
وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُجِيبَ بِقَوْلِهِ: (اللَّهُ يُفْتِيكُمْ) لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْفَرِيضَةِ، فَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لِلِاهْتِمَامِ لَا لِلْقَصْرِ، إِذْ قَدْ عَلِمَ الْمُسْتَفْتُونَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَنْطِقُ إِلَّا عَن وَحي، فَهِيَ لَمَّا اسْتَفْتَوْهُ فَإِنَّمَا طَلَبُوا حُكْمَ اللَّهِ، فَإِسْنَادُ الْإِفْتَاءِ إِلَى اللَّهِ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأُخْتِ هُنَا الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ أَوِ الَّتِي لِلْأَبِ فِي عَدَمِ الشَّقِيقَةِ بِقَرِينَةٍ مُخَالِفَةٍ نَصِيبُهَا لِنَصِيبِ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ الْمَقْصُودَةِ فِي آيَةِ الْكَلَالَةِ الْأُولَى، وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَهُوَ يَرِثُها لِأَنَّ الْأَخَّ لِلْأُمِّ لَا يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأُخْتِهِ لِلْأُمِّ وَلَدٌ إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا السُّدُسُ.
وَقَوْلُهُ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) امْتِنَانٌ، وأَنْ تَضِلُّوا تَعْلِيلٌ لِـ (يُبَيِّنُ) حُذِفَتْ مِنْهُ اللَّامُ، وَحَذْفُ الْجَارِّ مَعَ (أَنْ) شَائِعٌ.
وَالْمَقْصُودُ التَّعْلِيلُ بِنَفْيِ الضَّلَالِ لَا لِوُقُوعِهِ لِأَنَّ الْبَيَانَ يُنَافِي التَّضْلِيلَ، فَحُذِفَتْ (لَا) النَّافِيَةُ، وَحَذْفُهَا مَوْجُودٌ فِي مَوَاقِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ إِذَا اتَّضَحَ الْمَعْنَى، كَمَا وَرَدَ مَعَ فِعْلِ الْقَسَمِ فِي نَحْوِ:
فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعَا
أَيْ أَنْ لَا تُبَاعَ.
وَهَذَا تَأْوِيلُ الْكُوفِيِّينَ، وَتَأَوَّلَ الْبَصْرِيُّونَ الْآيَةَ وَالْبَيْتَ وَنَظَائِرَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ هُوَ الْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ، أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَبِذَلِكَ قَدَّرَهَا فِي «الْكَشَّافِ» .
وَقَوْلُهُ: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تَذْيِيلٌ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيذَانٌ بِخَتْمِ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ: (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) [إِبْرَاهِيم: 52] الْآيَةَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ كَلَامِ صَاحِبِ مُوسَى (ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [الْكَهْف: 82] .
فَتُؤْذِنُ بِخِتَامِ السُّورَةِ.
وَتُؤْذِنُ بِخِتَامِ التَّنْزِيلِ إِنْ صَحَّ أَنَّهَا آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ كَمَا ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا أَرَى اصْطِلَاحَ عُلَمَاءِ بَلَدِنَا عَلَى أَنْ يَخْتِمُوا تَقْرِيرَ دُرُوسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ» إِلَّا تَيَمُّنًا بِمُحَاكَاةِ خَتْمِ التَّنْزِيلِ.