فهرس الكتاب

الصفحة 3633 من 4110

[سُورَة الْأَنْفَال(8): آيَة 68]

(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ(68)

وَجُمْلَةُ: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) إِلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، لِأَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ مُفَادَاةَ الْأَسْرَى أَمْرٌ مَرْهُوبٌ تُخْشَى عَوَاقِبُهُ، فَيَسْتَثِيرُ سُؤَالًا فِي نُفُوسِهِمْ عَمَّا يُتَرَقَّبُ مِنْ ذَلِكَ، فَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) الْآيَةَ.

وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمَكْتُوبُ، وَهُوَ مِنَ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ التَّعْيِينُ وَالتَّقْدِيرُ، وَقَدْ نُكِّرَ الْكِتَابُ تَنْكِيرَ نَوْعِيَّةٍ وَإِبْهَامٍ، أَيْ: لَوْلَا وُجُودُ سُنَّةِ تَشْرِيعٍ سَبَقَ عَنِ اللَّهِ.

وَذَلِكَ الْكِتَابُ هُوَ عُذْرُ الْمُسْتَشَارِ وَعُذْرُ الْمُجْتَهِدِ فِي اجْتِهَادِهِ إِذَا أَخْطَأَ، فَقَدِ اسْتَشَارَهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارُوا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَأَوْهَا وَأَخَذَ بِمَا أَشَارُوا بِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ مُخَالَفَتُهُمْ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ يُوجِبُ أَنْ يَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ حُكْمًا فِي كُلِّ حَادِثَةٍ، وَأَنَّهُ نَصَبَ عَلَى حُكْمِهِ أَمَارَةً هِيَ دَلِيلُ الْمُجْتَهِدِ وَأَنَّ مُخْطِئَهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَأْثَمُ بَلْ يُؤْجَرُ.

وَ «فِي» لِلتَّعْلِيلِ، وَالْعَذَاب يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ الْمَنْفِيُّ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا.

أَيْ: لَوْلَا قَدَرٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ مِنْ لُطْفِهِ بِكُمْ فَصَرَفَ بِلُطْفِهِ وَعِنَايَتِهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عَذَابًا كَانَ مِنْ شَأْنِ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ أَنْ يُسَبِّبَهُ لَهُمْ وَيُوقِعَهُمْ فِيهِ.

وَهَذَا الْعَذَابُ عَذَابٌ دُنْيَوِيٌّ، لِأَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ لَا يَتَرَتَّبُ إِلَّا عَلَى مُخَالَفَةِ شَرْعٍ سَابِقٍ، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنَ الشَّرْعِ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ أَخْذَ الْفِدَاءِ، كَيْفَ وَقَدْ خُيِّرُوا فِيهِ لَمَّا اسْتُشِيرُوا، وَهُوَ أَيْضًا عَذَابٌ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجُرَّهُ عَمَلُهُمْ جَرَّ الْأَسْبَابِ لِمُسَبَّبَاتِهَا، وَلَيْسَ عَذَابَ غَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ إِلَّا عَلَى مَعَاصٍ عَظِيمَةٍ، فَالْمُرَادُ بِالْعَذَابِ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَسْرَى الَّذِينَ فَادَوْهُمْ كَانُوا صَنَادِيدَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ تَخَلَّصُوا مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ يَحْمِلُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَنَقًا فَكَانَ مِنْ مُعْتَادِ أَمْثَالِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَسْعَوْا فِي قَوْمِهِمْ إِلَى أَخْذِ ثَأْرِ قَتْلَاهُمْ وَاسْتِرْدَادِ أَمْوَالِهِمْ فَلَوْ فَعَلُوا لَكَانَتْ دَائِرَةً عَظِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ فَصَرَفَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ مَحَبَّةِ أَخْذِ الثَّأْرِ، وَأَلْهَاهُمْ بِمَا شَغَلَهُمْ عَنْ مُعَاوَدَةِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ الصَّرْفُ هُوَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي سَبَقَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَوْدَةِ لِلْفِدَاءِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَبِذَلِكَ كَانَتْ تَشْرِيعًا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت