(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) لِتَفْرِيعِ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى جُمْلَةِ (أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) أَيْ: فَكَانَ حَالُهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ إِلَخْ. وَالْمَعْنَى: فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا كُفْرًا وَغُرُورًا.
وَالْمَجِيءُ: الْحُصُولُ وَالْإِصَابَةُ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ فِي جَانِبِ الْحَسَنَةِ بِالْمَجِيءِ لِأَنَّ حُصُولَهَا مَرْغُوبٌ، فَهِيَ بِحَيْثُ تُتَرَقَّبُ كَمَا يُتَرَقَّبُ الْجَائِي، وَعُبِّرَ فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ بِالْإِصَابَةِ لِأَنَّهَا تحصل فَجْأَة من غَيْرِ رَغْبَةٍ وَلَا تَرَقُّبٍ.
وَجِيءَ فِي جَانِبِ الْحَسَنَةِ بِإِذَا الشَّرْطِيَّةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي (إِذَا) الدَّلَالَةُ عَلَى الْيَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنَ الْيَقِينِ كَقَوْلِكَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَعَلْتُ كَذَا، وَلِذَلِكَ غَلَبَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَعَ (إِذَا) فِعْلًا مَاضِيًا لِكَوْنِ الْمَاضِي أَقْرَبَ إِلَى الْيَقِينِ فِي الْحُصُولِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي الْآيَةِ، فَالْحَسَنَاتُ أَيِ: النِّعَمُ كَثِيرَةُ الْحُصُولِ تَنْتَابُهُمْ مُتَوَالِيَةً مِنْ صِحَّةٍ وَخِصْبٍ وَرَخَاءٍ وَرَفَاهِيَةٍ.
وَجِيءَ فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إِنْ) لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَدُلَّ (إِنْ) عَلَى التَّرَدُّدِ فِي وُقُوعِ الشَّرْطِ، أَوْ عَلَى الشَّكِّ، وَلِكَوْنِ الشَّيْءِ النَّادِرِ الْحُصُولِ غَيْرَ مَجْزُومٍ بِوُقُوعِهِ، وَمَشْكُوكًا فِيهِ، جِيءَ فِي شَرْطِ إِصَابَةِ السَّيِّئَةِ بِحَرْفِ (إِنْ) لِنُدْرَةِ وُقُوعِ السَّيِّئَاتِ أَيِ: الْمَكْرُوهَاتِ عَلَيْهِمْ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَسَنَاتِ، أَيِ: النِّعَمِ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَانَتْ مُتَكَاثِرَةً لَدَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الشُّكْرِ، وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّ إِصَابَتَهُمْ بِالسَّيِّئَاتِ نَادِرَةٌ وَهُمْ يَعُدُّونَ السَّيِّئَاتِ مِنْ جَرَّاءِ مُوسَى وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، فَهُمْ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ بَيْنَ كَافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ وَظَالِمِينَ لِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، وَلِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ عُرِّفَتِ الْحَسَنَةُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ الْمَعْرُوفَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي بِالْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيْ: جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَاتُ، لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مَحْبُوبٌ مَأْلُوفٌ كَثِيرُ الْحُصُولِ لَدَيْهِمْ، وَنُكِّرَتْ سَيِّئَةٌ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهَا شَيْءٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ حُلُولُهُ بِهِمْ، أَيْ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ آيَةٌ سَيِّئَةٌ، كَذَا فِي «الْكَشَّاف» و «الْمِفْتَاح» .
وَالْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ هَنَا مُرَادٌ بِهِمَا الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ وَالْحَالَةُ السَّيِّئَةُ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ (لَنا) هَذِهِ لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْ: هَذِهِ الْحَسَنَةُ حَقٌّ لَنَا، لِأَنَّهُمْ بِغُرُورِهِمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِالنِّعَمِ، أَيْ: فَلَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْحَسَنَةَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً.
(يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ)
وَكَانَ الْعَرَبُ إِذَا خَرَجُوا فِي سَفَرٍ لِحَاجَةٍ، نَظَرُوا إِلَى مَا يُلَاقِيهِمْ أَوَّلَ سِيَرِهِمْ مِنْ طَائِرٍ، فَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ فِي مُرُورِهِ عَلَامَاتِ يُمْنٍ وَعَلَامَاتِ شُؤْمٍ، فَالَّذِي فِي طيرانه عَلامَة بِمن فِي اصْطِلَاحِهِمْ يُسَمُّونَهُ السَّانِحَ، وَهُوَ الَّذِي يَنْهَضُ فَيَطِيرُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ لِلسَّائِرِ وَالَّذِي عَلَامَتُهُ الشُّؤْمُ هُوَ الْبَارِحُ وَهُوَ الَّذِي يَمُرُّ عَلَى الْيَسَارِ، وَإِذَا وَجَدَ السَّائِرُ طَيْرًا جَاثِمًا أَثَارَهُ لِيَنْظُرَ أَيَّ جِهَةٍ يَطِيرُ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْإِثَارَةُ زَجْرًا، فَمِنَ الطَّيْرِ مَيْمُون وَمِنْه مشؤوم
وَالْعَرَبُ يَدْعُونَ لِلْمُسَافِرِ بِقَوْلِهِمْ «عَلَى الطَّائِرِ الْمَيْمُونِ» ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ التَّطَيُّرِ فِي مَعْنَى التَّشَاؤُمِ خَاصَّةً، يُقَالُ الطِّيَرَةُ أَيْضًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ
«لَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ»
أَيْ: الشُّؤْمُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يَتَشَاءَمُ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ فِي الدُّنْيَا لِسُوءِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا غَلَبَ لَفْظُ الطِّيَرَةِ عَلَى التَّشَاؤُمِ لِأَنَّ لِلْأَثَرِ الْحَاصِلِ مِنْ دَلَالَةِ الطَّيَرَانِ عَلَى الشُّؤْمِ دَلَالَةً أَشُدَّ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّ تَوَقُّعَ الضُّرِّ أَدْخَلُ فِي النُّفُوسِ مِنْ رَجَاءِ النَّفْعِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَة أَنهم يَتَشَاءَمُونَ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ.
وَالتَّشَاؤُمُ: هُوَ عد الشَّيْء مشؤوما، أَيْ: يَكُونُ وُجُودُهُ سَبَبًا فِي وُجُودِ مَا يُحْزِنُ وَيَضُرُّ.
وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهَا: مِنْ بَقَايَا دِينِ الشِّرْكِ، وَيَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ التَّطَيُّرِ بَاءٌ، وَهِيَ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ تَدْخُلُ عَلَى مُوجِبِ التَّطَيُّرِ، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: تَطَيَّرَ مِنْ كَذَا.
وَ (أَلا) حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ يُفِيدُ الِاهْتِمَامَ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وَتَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (إِنَّما) إِضَافِيٌّ أَيْ: سُوءُ حَالِهِمْ عِقَابٌ مِنَ اللَّهِ، لَا مِنْ عِنْدِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ سَبَبَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ الْمُعَانِدِينَ لِلرُّسُلِ، هُوَ شِرْكُهُمْ وَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ: يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِأَخْبَارِ الرُّسُلِ، أَوْ بِصِدْقِ الْفِرَاسَةِ وَحُسْنِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ لَمَّا هَدَاهُ اللَّهُ «لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَهُ إِلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا» .
وَجُمْلَةُ (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) مُعْتَرِضَةٌ وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وَالِاسْتِدْرَاكُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (لكِنَّ) عَمَّا يُوهِمُهُ الِاهْتِمَامُ بِالْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ لِقَرْنِهِ بِأَدَاةِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى صِيغَةِ الْقَصْرِ: مِنْ كَوْنِ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَجْهَلَهُ الْعُقَلَاءُ، فَاسْتُدْرِكَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أُولَئِكَ لَا يَعْلَمُونَ.
فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (أَكْثَرَهُمْ) عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ قالُوا (لَنا هذِهِ) وَإِنَّمَا نُفِيَ الْعِلْمُ عَنْ أَكْثَرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ يَعْلَمُونَ خِلَافَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يُشَايِعُونَ مقَالَة الْأَكْثَرين.