فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 207]

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ(207)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي قَوْلِهِ (الْعِبَادِ) تَعْرِيفُ اسْتِغْرَاقٍ، لِأَن الله رءُوف بِجَمِيعِ عِبَادِهِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى تَفَاوُتٍ فِيهِمَا يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ فَإِنَّ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَعْطَاهُمُ الْعَافِيَةَ وَالرِّزْقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ أَيْ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْ قَبِيلِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ.

وَالْعِبَادُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ يُرَادُ بِهِ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) فِي [سُورَةِ الْحِجْرِ: 42] .

وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَبِيدَهُ فَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ كَرَأْفَةِ الْإِنْسَانِ بِعَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) عَامًّا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي كُلِّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ لِيَكُونَ هَذَا التذييل بِمَنْزِلَة الْمثل مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَهُوَ من لَوَازِم التَّذْيِيلَ، وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الرَّأْفَةِ بِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عِبَادًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) صُهَيْبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ صُهَيْبٌ مِنْهُمْ، وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ صُهَيْبًا كَانَ عَبْدًا لِلرُّومِ ثُمَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو كَلْبٍ وَهُمْ لَمْ يَرْأَفُوا بِهِ، لِأَنَّهُ عُذِّبَ فِي اللَّهِ فَلَمَّا صَار عبد الله رَأَفَ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت