فهرس الكتاب

الصفحة 3996 من 4110

[سُورَة يُونُس(10): آيَة 24]

(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)

هَذِهِ الْآيَةُ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ لِجُمْلَةِ (مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) [يُونُس: 23] الْمُؤْذِنَةِ بِأَنَّ تَمَتُّعَهُمْ بِالدُّنْيَا مَا هُوَ إِلَّا لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ التَّمَتُّعَ صَائِرٌ إِلَى زَوَالٍ، وَأَطْنَبَتْ فَشَبَّهَتْ هَيْئَةَ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيَا لِأَصْحَابِهَا بِهَيْئَةِ الزَّرْعِ فِي نَضَارَتِهِ ثُمَّ فِي مَصِيرِهِ إِلَى الْحَصْدِ.

وَصِيغَةُ الْقَصْرِ لِتَأْكِيدِ الْمَقْصُودِ مِنَ التَّشْبِيهِ وَهُوَ سُرْعَةُ الِانْقِضَاءِ.

وَلِتَنْزِيلِ السَّامِعِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَحْسَبُ دَوَامَ بَهْجَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الِانْكِبَابِ عَلَى نَعِيمِ الدُّنْيَا كَحَالِ مَنْ يَحْسَبُ دَوَامَهُ وَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ انْقِضَاء سريع ومفاجئ.

وَالْمَعْنَى: قَصْرُ حَالَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى مُشَابَهَةِ حَالَةِ النَّبَاتِ الْمَوْصُوفِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بُنِيَ عَلَى تَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ عَكْسَ تِلْكَ الْحَالَةِ.

شُبِّهَتْ حَالَةُ الْحَيَاةِ فِي سُرْعَةِ تَقَضِّيهَا وَزَوَالِ نَعِيمِهَا بَعْدَ الْبَهْجَةِ بِهِ وَتَزَايُدِ نَضَارَتِهَا بِحَالِ نَبَاتِ الْأَرْضِ فِي ذَهَابِهِ حُطَامًا وَمَصِيرِهِ حَصِيدًا.

وَفِي مَعْنَى الْغَايَةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ (حَتَّى) مَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ بَيْنَ مَبْدَأِ ظُهُورِ لَذَّاتِ الْحَيَاةِ وَبَيْنَ مُنْتَهَاهَا مَرَاتِبَ جَمَّةً وَأَطْوَارًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ طُوِيَ فِي مَعْنَى (حَتَّى) .

وَقَوْلُهُ: (لَيْلًا أَوْ نَهارًا) تَرْدِيدٌ فِي الْوَقْتِ لِإِثَارَةِ التَّوَقُّعِ مِنْ إِمْكَانِ زَوَالِ نَضَارَةِ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُوَقَّتَ بِمُعَيَّنٍ مِنَ التَّوْقِيتِ يَكُونُ النَّاسُ فِي أَمْنٍ مِنْ حُلُولِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.

وَالزُّخْرُفُ: اسْمُ الذَّهَبِ.

وَأُطْلِقَ عَلَى مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا فِيهِ ذَهَبٌ وَتَلْوِينٌ مِنَ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ.

وَإِطْلَاقُ أَخْذِ الْأَرْضِ زُخْرُفَهَا عَلَى حُصُولِ الزِّينَةِ فِيهَا اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.

شُبِّهَتِ الْأَرْضُ بِالْمَرْأَةِ حِينَ تُرِيدُ التَّزَيُّنَ فَتُحْضِرُ فَاخِرَ ثِيَابِهَا مِنْ حُلِيٍّ وَأَلْوَانٍ.

وَالْعَرَبُ يُطْلِقُونَ عَلَى ذَلِكَ التَّنَاوُلِ اسْمَ الْأَخْذِ، قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الْأَعْرَاف: 31] .

وَذُكِرَ (ازَّيَّنَتْ) عَقِبَ زُخْرُفَها تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْخُذُ زُخْرُفَهَا لِلتَّزَيُّنِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا) إِشَارَة لإِرَادَة الِاسْتِئْصَالِ فَهُوَ يُنْذِرُ بِالتَّهْدِيدِ لِلْكَافِرِينَ وَيَجْعَلُ التَّمْثِيلَ أَعْلَقَ بِحَيَاتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الْأَنْعَام: 44] لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضُرِبَ هَذَا الْمَثَلُ لِتَمَتُّعِ الْكَافِرِينَ بِبَغْيِهِمْ وَإِمْهَالِهِمْ عَلَيْهِ، وَيَزِيدُ تِلْكَ الْإِشَارَةَ وُضُوحًا قَوْلُهُ: (وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) الْمُؤْذِنُ بِأَنَّ أَهْلَهَا مَقْصُودُونَ بِتِلْكَ الْإِصَابَةِ.

وَمَعْنَى: (أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها) أَنَّهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا مُحَصِّلُونَ لِثَمَرَاتِهَا، فَأَطْلَقَ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفَاعِ وَدَوَامِهِ لَفْظَ الْقُدْرَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ.

وَالْحَصِيدُ: الْمَحْصُودُ، وَهُوَ الزَّرْعُ الْمَقْطُوعُ مِنْ مَنَابِتِهِ.

وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْأَرْضِ بِحَصِيدٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَإِنَّمَا الْمَحْصُودُ نَبَاتُهَا.

وَمَعْنَى (لَمْ تَغْنَ) لَمْ تَعْمُرْ، أَيْ لَمْ تَعْمُرْ بِالزَّرْعِ.

يُقَالُ: غَنِيَ الْمَكَانُ إِذَا عَمَرَ.

وَالْمُرَادُ بِالْأَمْسِ فِي الْآيَةِ مُطْلَقُ الزَّمَنِ الَّذِي مَضَى لِأَنَّ أَمْسَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْغَدُ فِي مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْيَوْمُ فِي مَعْنَى الْحَالِ.

وَجَمَعَهَا قَوْلُ زُهَيْرٍ:

وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ

وَجُمْلَةُ: (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) إِلَى آخِرِهَا تَذْيِيلٌ جَامِعٌ، أَيْ مِثْلَ هَذَا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ أَيْ نُبَيِّنُ الدَّلَالَاتِ كُلَّهَا الدَّالَّةَ عَلَى عُمُومِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَإِتْقَانِ الصُّنْعِ.

فَهَذِهِ آيَةٌ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبِيَّنَةِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ عُمُومِ الْآيَاتِ.

وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ فِي(سُورَةِ الْأَنْعَامِ) [55] .

وَاللَّامُ فِي (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لَامُ الْأَجَلِ.

وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالْآيَاتِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ التَّفَكُّرِ وَلَا كَانَ تَفْصِيلُ الْآيَاتِ لِأَجْلِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت