(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ(112)
وَمَعْنَى ضَرْبِ الذِّلَّةِ اتِّصَالُهَا بِهِمْ وَإِحَاطَتُهَا، فَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَتَبَعِيَّةٌ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ، وَهِيَ أَمر مَعْقُول، بَقِيَّة أَوْ خَيْمَةٍ شَمِلَتْهُمْ وَشُبِّهَ اتِّصَالُهَا وَثَبَاتُهَا بِضَرْبِ الْقُبَّةِ وَشَدِّ أَطْنَابِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْبَقَرَةِ.
وثُقِفُوا فِي الْأَصْلِ أُخِذُوا فِي الْحَرْبِ (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) [الْأَنْفَال: 57] وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنٍ مِنْ أَخْذِ الشَّيْءِ، وَتَصَرُّفٍ فِيهِ بِشِدَّةٍ، وَمِنْهَا سُمِّيَ الْأَسْرُ ثِقَافًا.
وَالْمَسْكَنَةُ: الْفَقْرُ الشَّدِيدُ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الْمِسْكِينِ وَهُوَ الْفَقِيرُ، وَلَعَلَّ اشْتِقَاقَهُ مِنَ السُّكُونِ وَهُوَ سُكُونٌ خَيَالِيٌّ أُطْلِقَ عَلَى قِلَّةِ الْحِيلَةِ فِي الْعَيْشِ.
وَالْمُرَادُ بِضَرْبِ الْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ تقديرها لَهُم وَهَذَا إِخْبَارٌ بِمُغَيَّبٍ لِأَنَّ الْيَهُودَ الْمُخْبِرَ عَنْهُمْ قَدْ أَصَابَهُمُ الْفَقْرُ حِينَ أُخِذَتْ مَنَازِلُهُمْ فِي خَيْبَرَ وَالنَّضِيرِ وَقَيْنُقَاعَ وَقُرَيْظَةَ، ثُمَّ بِإِجْلَائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زمن عمر.