(وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)
وَالْمُرَادُ بِالنَّفِيرِ فِي قَوْلِهِ: (لِيَنْفِرُوا) وَقَوْلِهِ: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ) الْخُرُوجُ إِلَى الْغَزْوِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) [التَّوْبَة: 38] أَيْ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ذَلِكَ النَّفْرَ كُلُّهُمْ.
وَالْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ لَامِ الْجَحُودِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ، وَهُوَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي النَّهْيِ فَتَأْكِيدُهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّهْيِ، أَيْ كَوْنُهُ نَهْيًا جَازِمًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا كَانَ النَّفْرُ لِلْغَزْوِ وَاجِبًا لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إِضَاعَةَ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ كَذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُ مِنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبًا لِأَنَّ فِي تَمَحُّضِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ إِضَاعَةَ مَصْلَحَةٍ لِلْأُمَّةِ أَيْضًا، فَأَفَادَ مَجْمُوعُ الْكَلَامَيْنِ أَنَّ النَّفْرَ لِلْغَزْوِ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ أَيْ عَلَى طَائِفَةٍ كَافِيَةٍ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِنْهُ،
وَأَنَّ تَرْكَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى طَائِفَةٍ كَافِيَةٍ مِنْهُمْ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا أُمِرُوا بِالِاشْتِغَالِ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ فِي وَقْتِ اشْتِغَالِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى بِالْغَزْوِ.
وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِلْإِطْلَاقِ الَّذِي فِي فِعْلِ (انْفِرُوا) ، أَوْ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي ضَمِيرِ (انْفِرُوا) .
وَلِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلًا فِي وُجُوبِ طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ، أَيْ عَلَى الْمِقْدَارِ الْكَافِي لِتَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ مِنْ ذَلِكَ الْإِيجَابِ.
وَتَنْكِيرُ (طائِفَةٌ) مُؤْذِنٌ بِأَنَّ النَّفْرَ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْذَارِ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَتَعْيِينُ مِقْدَارِ الطَّائِفَةِ وَضَبْطُ حَدِّ التَّفَقُّهِ مَوْكُولٌ إِلَى وُلَاةِ أُمُورِ الْفِرَقِ فَتَتَعَيَّنُ الطَّائِفَةُ بِتَعْيِينِهِمْ فَهُمْ أَدْرَى بِمِقْدَارِ مَا تَتَطَلَّبُهُ الْمَصْلَحَةُ الْمَنُوطُ بِهَا وُجُوبُ الْكِفَايَةِ.
وَالتَّفَقُّهُ: تَكَلُّفُ الْفَقَاهَةِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ فَقِهَ (بِكَسْرِ الْقَافِ) إِذَا فُهِمَ مَا يَدِقُّ فَهْمُهُ فَهُوَ فَاقِهٌ.
فَالْفِقْهُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ فِي الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالَ الْفِقْهِ فِيمَا يَخْفَى عِلْمُهُ كَقَوْلِهِ: (لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الْإِسْرَاء: 44] ، وَيَجِيءُ مِنْهُ فَقُهَ - بِضَمِّ الْقَافِ - إِذَا صَارَ الْفِقْهُ سَجِيَّتَهُ، فَقَّاهَةٌ فَهُوَ فَقِيهٌ.
وَلَمَّا كَانَ مَصِيرُ الْفِقْهِ سَجِيَّةً لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمُزَاوَلَةِ مَا يُبَلِّغُ إِلَى ذَلِكَ كَانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ الْمُؤْذِنَةُ بِالتَّكَلُّفِ مُتَعَيِّنَةً لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا تَكَلُّفُ حُصُولِ الْفِقْهِ، أَيِ الْفَهْمِ فِي الدِّينِ.
وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فَهْمَ الدِّينِ أَمْرٌ دَقِيقُ الْمَسْلَكِ لَا يَحْصُلُ بِسُهُولَةٍ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيَّرَا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
وَلِذَلِكَ جَزَمَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْفِقْهَ أَفْضَلُ الْعُلُومِ.
وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ حَقِيقَةَ الْفِقْهِ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالْإِنْذَارُ: الْإِخْبَارُ بِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ شَرٌّ.
وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ إِرْشَادٍ إِلَى الْخَيْرِ إِلَّا وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى إِنْذَارٍ مِنْ ضِدِّهِ.
وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْإِنْذَارِ تَعْلِيمُ النَّاسِ مَا يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَبَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ وَذَلِكَ بِأَدَاءِ الْعَالِمِ بَثَّ عُلُومِ الدِّينِ لِلْمُتَعَلِّمِينَ.
وَحَذْفُ مَفْعُولِ (يَحْذَرُونَ) لِلتَّعْمِيمِ، أَيْ يَحْذَرُونَ مَا يُحْذَرُ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكُ الْوَاجِبَاتِ.
وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحِذْرِ دُونَ الْعَمَلِ لِلْإِنْذَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِنْذَارِ التَّحْذِيرُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يُفِيد الْأَمريْنِ.