فهرس الكتاب

الصفحة 2489 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 32]

(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(32)

وَاللَّعِبُ: عَمَلٌ أَوْ قَوْلٌ فِي خِفَّةٍ وَسُرْعَةٍ وَطَيْشٍ لَيْسَتْ لَهُ غَايَةٌ مُفِيدَةٌ بَلْ غَايَتُهُ إِرَاحَةُ الْبَالِ وَتَقْصِيرُ الْوَقْتِ وَاسْتِجْلَابُ الْعُقُولِ فِي حَالَةِ ضَعْفِهَا كَعَقْلِ الصَّغِيرِ وَعَقْلِ الْمُتْعَبِ، وَأَكْثَرُهُ أَعْمَالُ الصِّبْيَانِ.

قَالُوا وَلِذَلِكَ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّعَابِ، وَهُوَ رِيقُ الصَّبِيِّ السَّائِلُ.

وَضِدَّ اللَّعِبِ الْجِدُّ.

وَاللَّهْوُ: مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا تَرْتَاحُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَلَا يَتْعَبُ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ عَقْلُهُ.

فَلَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا فِيهِ اسْتِمْتَاعٌ وَلَذَّةٌ وَمُلَائِمَةٌ لِلشَّهْوَةِ.

وَبَيْنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ.

فَهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْعَمَلِ الَّذِي فِيهِ مُلَاءَمَةٌ وَيُقَارِنُهُ شَيْءٌ مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ كَالطَّرَبِ وَاللَّهْوِ بِالنِّسَاءِ.

وَيَنْفَرِدُ اللَّعِبُ فِي لَعِبِ الصِّبْيَانِ.

وَيَنْفَرِدُ اللَّهْوُ فِي نَحْوِ الْمَيْسِرِ وَالصَّيْدِ.

وَقَدْ أَفَادَتْ صِيغَةُ (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) قَصْرَ الْحَيَاةِ عَلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، وَهُوَ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ.

وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الْأَعْمَالُ الَّتِي يُحِبُّ الْإِنْسَانُ الْحَيَاةَ لِأَجْلِهَا، لِأَنَّ الْحَيَاةَ مُدَّةٌ وَزَمَنٌ لَا يَقْبَلُ الْوَصْفَ بِغَيْرِ أَوْصَافِ الْأَزْمَانِ مِنْ طُولٍ أَوْ قِصَرٍ، وَتَحْدِيدٍ أَوْ ضِدِّهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاةِ الْأَعْمَالُ الْمَظْرُوفَةُ فِيهَا.

وَاللَّعِبُ وَاللَّهْوُ فِي قُوَّةِ الْوَصْفِ، لِأَنَّهُمَا مُصْدَرَانِ أُرِيدَ بِهِمَا الْوَصْفُ لِلْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْحَاصِلَةَ فِي الْحَيَاةِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، وَمِنْهَا غَيْرُهُمَا.

قَالَ تَعَالَى: (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) [الْحَدِيد: 20] .

وَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ أَعْمَالَ الْمُتَّقِينَ فِي الدُّنْيَا هِيَ ضِدُّ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، لِأَنَّهُمْ جُعِلَتْ لَهُمْ دَارٌ أُخْرَى هِيَ خَيْرٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْفَوْزَ فِيهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِعَمَلٍ فِي الدُّنْيَا فَأَنْتَجَ أَنَّ عَمَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ وَأَنَّ حَيَاةَ غَيْرِهِمْ هِيَ الْمَقْصُورَةُ عَلَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ.

و (خَيْرٌ) تَفْضِيلٌ عَلَى الدُّنْيَا بِاعْتِبَارِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ نَعِيمٍ عَاجِلٍ زَائِلٍ يَلْحَقُ مُعْظَمَهُ مُؤَاخَذَةٌ وَعَذَابٌ.

وَقَوْلُهُ (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْآخِرَةِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا كَانُوا فِي الدُّنْيَا.

وَقَوْلُهُ: (أَفَلا تَعْقِلُونَ)

الِاسْتِفْهَامُ عَنْ عَدَمِ عَقْلِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّوْبِيخِ إِنْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ، أَوْ فِي التَّحْذِيرِ إِنْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت