فهرس الكتاب

الصفحة 2960 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 2]

(كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ(2)

قَوْلُهُ: (كِتابٌ) مُبْتَدَأٌ وَوَقَعَ الِابْتِدَاءُ، بِالنَّكِرَةِ إِمَّا لِأَنَّهَا أُرِيدَ بِهَا النَّوْعُ لَا الْفَرْدُ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهَا إِبْهَامٌ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ جَاءَنِي، أَيْ لَا امْرَأَةَ، وَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَفَائِدَةُ إِرَادَةِ النَّوْعِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنْكَارَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاسْتِبْعَادَهُمْ ذَلِكَ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُ كِتَابٌ مِنْ نَوْعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَكَمَا نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَكِتَابُ مُوسَى كَذَلِكَ نَزَلَ هَذَا الْقُرْآنُ، فَيَكُونُ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْعَادِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالُوا لَا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) [ص: 22] فَالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ.

وَإِمَّا لِأَنَّ التَّنْكِيرَ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِمْ: «شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ» أَيْ شَرٌّ عَظِيمٌ.

أَيْ هُوَ كِتَابٌ عَظِيمٌ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ فَصَارَ التَّنْكِيرُ فِي مَعْنَى التَّوْصِيفِ.

وَإِمَّا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالتَّنْكِيرِ التَّعْجِيبُ مِنْ شَأْنِ هَذَا الْكِتَابِ فِي جَمِيعِ مَا حُفَّ بِهِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْإِعْجَازِ وَالْإِرْشَادِ، وَكَوْنُهُ نَازِلًا عَلَى رَجُلٍ أُمِّيٍّ.

(فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)

وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ لَا لِيَكُونَ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ، بَلْ لِيَنْشَرِحَ صَدْرُكَ بِهِ.

وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي نَفْيِ الْحَرَجِ بِصِيغَةِ نَهْيِ الْحَرَجِ عَنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي صدر النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ النَّهْيُ نَهْيَ تَكْوِينٍ، بِمَعْنَى تَكْوِينِ النَّفْيِ، عَكْسَ أَمْرِ التَّكْوِينِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى تَكْوِينِ الْإِثْبَاتِ.

مُثِّلَ تَكْوِينُ نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ صَدْرِهِ بِحَالَةِ نَهْيِ الْعَاقِلِ الْمُدْرِكِ لِلْخِطَابِ، عَنِ الْحُصُولِ فِي الْمَكَانِ.

وَ (مِنِ) ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ حَرَجٌ يَنْشَأُ وَيَسْرِي مِنْ جَرَّاءِ الْمَذْكُورِ، أَيْ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ التَّكْذِيبُ بِهِ من جملَة شئونه، وَهُوَ سَبَبُ الْحَرَجِ، صَحَّ أَنْ يُجْعَلَ الْحَرَجُ مُسَبَّبًا عَنِ الْكِتَابِ بِوَاسِطَةٍ.

وَالْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حَرَجٍ مِنْ إِنْكَارِهِ أَيْ إِنْكَارِ إِنْزَالِهِ مِنَ اللَّهِ.

وَالْحَرَجُ حَقِيقَتُهُ الْمَكَانُ الضَّيِّقُ مِنَ الْغَابَاتِ الْكَثِيرَةِ الْأَشْجَارِ، بِحَيْثُ يَعْسُرُ السُّلُوكُ فِيهِ، وَيُسْتَعَارُ لِحَالَةِ النَّفْسِ عِنْدَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ وَالْأَسَفِ، لِأَنَّهُمْ تَخَيَّلُوا لِلْغَاضِبِ وَالْآسِفِ ضِيقًا فِي صَدْرِهِ لَمَّا وَجَدُوهُ يَعْسُرُ مِنْهُ التَّنَفُّسُ مِنَ انْقِبَاضِ أَعْصَابِ مَجَارِي النَّفَسِ، وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) [هود: 12] .

وَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ (لِتُنْذِرَ) وَصرح بمتعلّق (ذِكْرى) لظُهُور تَقْدِير الْمَحْذُوف من ذكر مُقَابِله الْمَذْكُور، والتّقدير: لتنذر بِهِ الْكَافِرِينَ، وَصَرَّحَ بِمُتَعَلِّقِ الذِّكْرَى دون متعلّق لِتُنْذِرَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْرِيضًا بِتَحْقِيرِ الْكَافِرِينَ تُجَاهَ ذكر الْمُؤمنِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت