(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(72)
وَالْمَعْنَى: فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مَا سَأَلْتُكُمْ أَجْرًا فَتَتَّهِمُونِي بِرَغْبَةٍ فِي نَفْعٍ يَنْجَرُّ لِي مِنْ دَعْوَتِكُمْ حَتَّى تُعْرِضُوا عَنْهَا شُحًّا بِأَمْوَالِكُمْ أَوِ اتِّهَامًا بِتَكْذِيبِي، وَهَذَا إِلْزَامٌ لَهُمْ بِأَنَّ تَوَلِّيَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ احْتِمَالُ تُهْمَتِهِمْ إِيَّاهُ بِتَطَلُّبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ.
وَبِذَلِكَ بَرَّأَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوَلِّيهِمْ.
وَجُمْلَةُ: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) تَعْمِيمٌ لِنَفْيِ تَطَلُّبِهِ أَجْرًا عَلَى دَعْوَتِهِمْ سَوَاءٌ مِنْهُمْ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَالْقَصْرُ حَقِيقِيٌّ وَبِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ: (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) مَعَ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ.
وَطَرِيقُ جَزْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ يُؤْجِرُهُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَعْدُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ بِمَا أَوْحَى إِلَيْهِ.
وَأَتَى بِحَرْفِ (عَلَى) الْمُفِيدِ لِكَوْنِهِ حَقًّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى وَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَأَعْلَمَهُ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ، فَصَارَ بِالْوَعْدِ حَقًّا عَلَى اللَّهِ الْتَزَمَ اللَّهُ بِهِ.
وَالْأَجْرُ: الْعِوَضُ الَّذِي يُعْطَى لِأَجْلِ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ آخِذُ الْعِوَضِ.
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
وَهَذَا تَأْيِيسٌ لَهُمْ بِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى التَّوَلِّي عَنْهُ لَا يَفُلُّ حَدَّهُ وَلَا يَصُدُّهُ عَنْ مُخَالَفَةِ دِينِهِمُ الضَّلَّالِ.
وَبُنِيَ فِعْلُ (أُمِرْتُ) لِلْمَجْهُولِ فِي اللَّفْظِ لِلْعِلْمِ بِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: (أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ مِنَ الْفِئَةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهَا هَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، أَيْ تَوْحِيدُ اللَّهِ دُونَ عِبَادَةِ شَرِيكٍ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِسْلَامِ الْعِبَادَةِ وَتَخْلِيصِهَا لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمرَان: 20] .
وَقَدْ سُمِّيَ التَّوْحِيدُ وَدِينُ الْحَقِّ الْخَالِصُ إِسْلَامًا فِي مُخْتَلِفِ الْعُصُورِ وَسَمَّى اللَّهُ بِهِ سُنَنَ الرُّسُلِ فَحَكَاهُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُنَا وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [الْبَقَرَة: 131] ، وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) [الْبَقَرَة: 128] ، وَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ إِذْ حَكَى عَنْهُمْ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [الْبَقَرَة: 133] ، وَعَنْ يُوسُفَ (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) [يُوسُف: 101] ، وَعَنْ مُوسَى (وَقالَ مُوسى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) [يُونُس: 8] ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) [النَّمْل: 31] ، وَعَنْ عِيسَى وَالْحَوَارِيِّينَ (قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ) [الْمَائِدَة: 111] .