فهرس الكتاب

الصفحة 3937 من 4110

[سُورَة يُونُس(10): آيَة 2]

(أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ(2)

وَفَائِدَةُ إِدْخَال الِاسْتِفْهَام الْمُسْتَعْمل فِي الْإِنْكَار، عَلَى (كَانَ) دُونَ أَنْ يُقَالَ: أَعَجِبَ النَّاسُ، هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى التَّعْجِيبِ مِنْ تَعَجُّبِهِمُ الْمُرَادِ بِهِ إِحَالَةُ الْوَحْيِ إِلَى بَشَرٍ.

و (عَجَبًا) خَبَرُ (كانَ) مُقَدَّمٌ عَلَى اسْمِهَا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْإِنْكَارِ.

و (أَنْ وأَوْحَيْنا) اسْمُ (كَانَ) وَجِيءَ فِيهِ بِـ (أَنْ) وَالْفِعْل دُونَ الْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ وَهُوَ وَحْيُنًا لِيُتَوَسَّلَ إِلَى مَا يُفِيدُهُ الْفِعْلُ مِنَ التَّجَدُّدِ وَصِيغَةِ الْمُضِيِّ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ الْوَحْيِ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ وَتَجَدُّدِهِ وَذَلِكَ مَا يَزِيدُهُمْ كَمَدًا.

وَالْعَجَبُ: مَصْدَرُ عَجِبَ، إِذَا عَدَّ الشَّيْءَ خَارِجًا عَنِ الْمَأْلُوفِ نَادِرَ الْحُصُولِ.

وَأُطْلِقَ النَّاسُ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْبَشَرِ وَالْمُرَادُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ.

وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مِثْلُ مَا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمرَان: 173] .

وَالنَّاس الثَّانِي يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَشَرِ الَّذِينَ يُمْكِنُ إِنْذَارُهُمْ، فَهُوَ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ.

وَلكَون المُرَاد بِالنَّاسِ ثَانِيًا غَيْرَ الْمُرَادِ بِهِ أَوَّلَ ذِكْرٍ بِلَفْظِهِ الظَّاهِرِ دُونَ أَنْ يُقَالَ: أَنْ أَنْذِرْهُمْ.

وَحُذِفَ الْمُنْذَرُ بِهِ لِلتَّهْوِيلِ، وَلِأَنَّهُ يُعْلَمُ حَاصِلُهُ مِنْ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ)

وَالْقَدَمُ: اسْمٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَسَلَفَ، فَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ وَفِي ضِدِّهِ.

وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي «الْمُعَلِّمِ» عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّ الْقَدَمَ لَا يُعَبَّرُ بِهِ إِلَّا عَنْ مَعْنَى الْمُقَدَّمِ لَكِنْ فِي الشَّرَفِ وَالْجَلَالَةِ.

وَهُوَ فَعَلَ بِمَعْنَى فَاعَلَ مِثْلَ سَلَفَ وَثَقَلَ.

وَالْمُرَادُ بِـ (قَدَمَ صِدْقٍ) فِي الْآيَةِ قَدَمُ خَيْرٍ، وَإِضَافَةُ قَدَمَ إِلَى صِدْقٍ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ «لَسِحْرٌ» - بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونُ الْحَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ، أَيْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامُ السِّحْرٍ، أَيْ أَنَّهُ كَلَامٌ يُسْحَرُ بِهِ.

وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (لَساحِرٌ) فَالْإِشَارَةُ إِلَى (رَجُلٍ) مِنْ قَوْلِهِ: (إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ) وَهُوَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ وَصْفَهُمْ إِيَّاه بِالسحرِ ينبئ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدَّعُوهُ هَذَيَانًا وَبَاطِلًا فَهَرِعُوا إِلَى ادِّعَائِهِ سِحْرًا، وَقَدْ كَانَ مِنْ عَقَائِدِهِمُ الضَّالَّةِ أَنَّ مِنْ طَرَائِقِ السِّحْرِ أَنْ يَقُولَ السَّاحِرُ أَقْوَالًا تَسْتَنْزِلُ عُقُولَ الْمَسْحُورِينَ.

وَهَذَا من عجزهم مِنْ الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ بِمَطَاعِنَ فِي لَفْظِهِ وَمَعَانِيهِ.

وَالسِّحْرُ: تَخْيِيلُ مَا لَيْسَ بِكَائِنٍ كَائِنًا.

وَالْمُبِينُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَانَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى بَانَ، أَيْ ظَهَرَ، أَيْ سِحْرٌ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ.

وَهَذَا الْوَصْفُ تَلْفِيقٌ مِنْهُمْ وَبُهْتَانٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ الْحق الْمُبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت