(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)
وَالضِّيَاءُ: النُّورُ السَّاطِعُ الْقَوِيُّ، لِأَنَّهُ يُضِيءُ لِلرَّائِي.
وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّوْءِ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُوَضِّحُ الْأَشْيَاءَ، فَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنَ الضَّوْءِ.
وَالنُّورُ: الشُّعَاعُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ النَّارِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الضِّيَاءِ، يَصْدُقُ عَلَى الشُّعَاعِ الضَّعِيفِ وَالشُّعَاعِ الْقَوِيِّ، فَضِيَاءُ الشَّمْسِ نُورٌ، وَنُورُ الْقَمَرِ لَيْسَ بِضِيَاءٍ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي إِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَلَكِنْ يَكْثُرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِطْلَاقُ بَعْضِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي مَوْضِعِ بَعْضٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَعْسُرُ انْضِبَاطُهُ.
وَلَمَّا جُعِلَ النُّورُ فِي مُقَابَلَةِ الضِّيَاءِ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نُورٌ مَا.
وَقَوْلُهُ: (ضِياءً ونُورًا) حَالَانِ مُشِيرَانِ إِلَى الْحِكْمَةِ وَالنِّعْمَةِ فِي خَلْقِهِمَا.
وَالتَّقْدِيرُ: جَعَلَ الْأَشْيَاءَ عَلَى مِقْدَارٍ عِنْدَ صُنْعِهَا.
وَالْمَنَازِلُ: جَمْعُ مَنْزِلٍ وَهُوَ مَكَانُ النُّزُولِ.
وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمَوَاقِعُ الَّتِي يَظْهَرُ الْقَمَرُ فِي جِهَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ.
وَهِيَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً عَلَى عَدَدِ لَيَالِي الشَّهْرِ الْقَمَرِيِّ.
وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَنَازِلِ عَلَيْهَا مَجَازٌ بِالْمُشَابَهَةِ وَإِنَّمَا هِيَ سُمُوتٌ يَلُوحُ لِلنَّاسِ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي سَمْتٍ مِنْهَا، كَأَنَّهُ يَنْزِلُ بِهَا.
وَقَدْ رَصَدَهَا الْبَشَرُ فَوَجَدُوهَا لَا تَخْتَلِفُ.
وَعَلِمَ الْمُهْتَدُونَ مِنْهُمْ أَنَّهَا مَا وُجِدَتْ عَلَى ذَلِكَ النِّظَامِ إِلَّا بِصُنْعِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ.
وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ أَمَارَاتُهَا أَنْجُمٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى شَكْلٍ لَا يَخْتَلِفُ، فَوَضَعَ الْعُلَمَاءُ السَّابِقُونَ لَهَا أَسْمَاءَ.
وَهَذِهِ أَسْمَاؤُهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الطُّلُوعِ عِنْدَ الْفَجْرِ فِي فُصُولِ السَّنَةِ.
وَالْعَرَبُ يَبْتَدِئُونَ ذِكْرَهَا بِالشَّرَطَانِ وَهَكَذَا، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حُلُولِ الْقَمَرِ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي سَمْتِ مَنْزِلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ، فَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْهِلَالِ لَلشَّرَطَانِ وَهَكَذَا.
وَهَذِهِ أَسْمَاؤُهَا مَرْتَبَةٌ عَلَى حَسَبِ تَقْسِيمِهَا عَلَى فُصُولِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ.
وَهِيَ: الْعَوَّاءُ، السِّمَاكُ الْأَعْزَلُ، الْغَفْرُ، الزُّبَانَى، الْإِكْلِيلُ، الْقَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعَائِمُ، الْبَلْدَةُ، سَعْدُ الذَّابِحِ، سَعْدُ بُلَعٍ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، الْفَرْغُ الْأَعْلَى، الْفَرْغُ الْأَسْفَلُ، الْحُوتُ، الشَّرَطَانُ، الْبُطَيْنُ، الثُّرَيَّا، الدَّبَرَانُ، الْهَقْعَةُ، الْهَنْعَةُ، ذِرَاع الْأسد، النّشرة، الطَّرْفُ، الْجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ.
وَهَذِه الْمنَازل منقسمة عَلَى الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ الَّتِي تَحِلُّ فِيهَا الشَّمْسُ فِي فُصُولِ السَّنَةِ، فَلِكُلِّ بُرْجٍ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا مَنْزِلَتَانِ وَثُلُثٌ، وَهَذَا ضَابِطٌ لِمَعْرِفَةِ نُجُومِهَا وَلَا عَلَاقَةَ لَهُ بِاعْتِبَارِهَا مَنَازِلَ لِلْقَمَرِ.
وَقَدْ أَنْبَأَنَا اللَّهُ بِعِلَّةِ تَقْدِيرِهِ الْقَمَرَ مَنَازِلَ بِأَنَّهَا مَعْرِفَةُ النَّاسِ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ، أَيْ عَدَدَ السِّنِينَ بِحُصُولِ كُلِّ سَنَةٍ بِاجْتِمَاعِ اثْنَيْ عَشَرَ.
وَالْحِسَابُ: مَصْدَرُ حَسِبَ بِمَعْنَى عَدَّ.
وَالْمُرَادُ بِهِ حِسَابُ الْأَيَّامِ وَالْأَشْهُرِ لِأَنَّ حِسَابَ السِّنِينَ قَدْ ذُكِرَ بِخُصُوصِهِ.
وَلَمَّا اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِّنِينَ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِسَابِ حِسَابُ الْقَمَرِ، لِأَنَّ السَّنَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَمَرِيَّةٌ، وَلِأَنَّ ضَمِيرَ قَدَّرَهُ عَائِدٌ عَلَى الْقَمَرَ وَإِنْ كَانَ لِلشَّمْسِ حِسَابٌ آخَرُ وَهُوَ حِسَابُ الْفُصُولِ.
فَمِنْ مَعْرِفَةِ اللَّيَالِي تُعْرَفُ الْأَشْهُرُ، وَمِنْ مَعْرِفَةِ الْأَشْهُرِ تُعْرُفُ السَّنَةُ.
وَفِي ذَلِكَ رِفْقٌ بِالنَّاسِ فِي ضَبْطِ أُمُورِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ وَمُعَامَلَاتِ أَمْوَالِهِمْ وَهُوَ أَصْلُ الْحَضَارَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُعَرَّفَةَ ضَبْطِ التَّارِيخِ نِعْمَةٌ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْبَشَرِ.
(مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)
وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ.
وَ (الْحَقُّ) هُنَا مُقَابِلٌ لِلْبَاطِلِ.
فَهُوَ بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ وَالْفَائِدَةِ، لِأَنَّ الْبَاطِل من إطلاقاتها أَنْ يُطلق على الْبَعْث وَانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فَكَذَلِكَ الْحَقُّ يُطْلَقُ عَلَى مُقَابِلِ ذَلِكَ.
وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَأَنَّ الْخَالِقَ لَهَا لَيْسَ آلِهَتَهُمْ.
وَلِذَلِكَ أَعْقَبَ هَذَا التَّنْبِيهَ بِجُمْلَةِ (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لِلِامْتِنَانِ بِالنِّعْمَةِ، وَلِتَسْجِيلِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ إِلَى مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الْبَيَانِ.
(يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
وَالْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ التَّكْرَارِ.
وَجُعِلَ التَّفْصِيلُ لِأَجْلِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، أَيِ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمُ الْعِلْمُ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ الْمُضَارِعُ مِنْ تَجَدُّدُ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ لِمَنْ هُوَ دَيْدَنُهُ وَدَأْبُهُ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَهْلَ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ هُمْ أَهْلُ الِانْتِفَاعِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ.
وَذِكْرُ لَفْظِ (قَوْمٍ) إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ رَسَخَ فِيهِمْ وَصْفُ الْعِلْمِ، فَكَانَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ.
وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتَفْصِيلِ الْآيَاتِ لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَا مِمَّنْ رَسَخَ فيهم الْعلم.