فهرس الكتاب

الصفحة 3741 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 36]

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)

وَالْمَقْصُودُ: ضَبْطُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَإِبْطَالُ مَا أَدْخَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فِيهَا مِنَ النَّسِيءِ الَّذِي أَفْسَدَ أَوْقَاتَهَا، وَأَفْضَى إِلَى اخْتِلَاطِهَا، وأزال حُرْمَة مَاله حُرْمَةَ مِنْهَا، وَأَكْسَبَ حُرْمَةً لِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ مِنْهَا.

وَإِنَّ ضَبْطَ التَّوْقِيتِ مِنْ أُصُولِ إِقَامَةِ نِظَامِ الْأُمَّةِ وَدَفْعِ الْفَوْضَى عَنْ أَحْوَالِهَا.

وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَضْمُونِهِ لِتَتَوَجَّهَ أَسْمَاعُ النَّاسِ وَأَلْبَابُهُمْ إِلَى وَعْيِهِ.

وَالْمُرَادُ بِالشُّهُورِ: الشُّهُورُ الْقَمَرِيَّةُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، لِأَنَّهَا الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعِنْدَ أَغْلَبِ الْأُمَمِ، وَهِيَ أَقْدَمُ أَشْهُرِ التَّوْقِيتِ فِي الْبَشَرِ وَأَضْبَطُهَا لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَحْوَالِ الْقَمَرِ مُسَاعِدٌ عَلَى اتِّخَاذِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ مَوَاقِيتَ لِلْمَوَاعِيدِ وَالْآجَالِ، وَتَارِيخِ الْحَوَادِثِ الْمَاضِيَةِ، بِمُجَرَّدِ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنَّ الْقَمَرَ كُرَةٌ تَابِعَةٌ لِنِظَامِ الْأَرْضِ.

قَالَ تَعَالَى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ) [يُونُس: 5] وَلِأَنَّ الِاسْتِنَادَ إِلَى الْأَحْوَالِ السَّمَاوِيَّةِ أَضْبَطُ وَأَبْعَدُ عَنِ الْخَطَأِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُهَا أَيْدِي النَّاسِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَمَا حَدَثَتِ الْأَشْهُرُ الشَّمْسِيَّةُ وَسَنَتُهَا إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ عِلْمِ الْفَلَكِ وَالْمِيقَاتِ، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِنِظَامِ سَيْرِ الشَّمْسِ فِي ضَبْطِ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلُوهَا حِسَابًا لِتَوْقِيتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَصْلُحُ لَهَا إِلَّا بَعْضُ الْفُصُولِ، مِثْلَ الْحَرْثِ وَالْحَصَادِ وَأَحْوَالِ الْمَاشِيَةِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا) أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي النِّظَامِ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي جَعَلَهَا مَقَرَّ الْبَشَرِ بِاعْتِبَارِ تَمَايُزِ كُلِّ وَاحِدٍ فِيهَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِذَا تَجَاوَزَتِ الِاثْنَيْ عَشَرَ صَارَ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ مُمَاثِلًا لِنَظِيرٍ لَهُ فِي وَقْتِ حُلُولِهِ فَاعْتُبِرَ شَيْئًا مُكَرَّرًا.

وَمَعْنَى (فِي كِتابِ اللَّهِ) فِي تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ الَّذِي بِهِ وُجِدَتِ الْمَقْدُورَاتُ، أَعْنِي تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِهَا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا كَقَوْلِهِ: (كِتابًا مُؤَجَّلًا) [آل عمرَان: 145] أَيْ قَدْرًا مُحَدَّدًا

وَهَذِهِ الْأَشْهَرُ مَعْلُومَةٌ بِأَسْمَائِهَا عِنْدَ الْعَرَبِ، وَقَدِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا ابْتِدَاءَ حِسَابِهَا بَعْدَ مَوْسِمِ الْحَجِّ، فَمَبْدَأُ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ هُوَ ظُهُورُ الْهِلَالِ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَجِّ وَذَلِكَ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ بِلَا شَكٍّ.

وَالْأَرْبَعَةُ الْحُرُمُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمْ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُتَوَالِيَةٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَالرَّابِعُ فَرْدٌ وَهُوَ رَجَبٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعَرَبِ، إِلَّا رَبِيعَةَ فَهُمْ يَجْعَلُونَ الرَّابِعَ رَمَضَانَ وَيُسَمُّونَهُ رَجَبًا، وَأَحْسَبُ أَنَّهُمْ يَصِفُونَهُ بِالثَّانِي مِثْلَ رَبِيعٍ وَجُمَادَى، وَلَا اعْتِدَادَ بِهَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ شَذُّوا كَمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِالْقَبِيلَةِ الَّتِي كَانَتْ تُحِلُّ أَشْهُرَ السَّنَةِ كُلِّهَا، وَهِيَ قُضَاعَةُ.

وَكَوْنُ أَرْبَعَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْهُرِ أَشْهُرًا حُرُمًا تَحَقَّقَ بِالْجَعْلِ التَّشْرِيعِيِّ لِلْإِشَارَةِ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ الشُّهُورِ اثْنَيْ عَشَرَ وَأَنَّ مِنْهَا أَرْبَعَةً حُرُمًا اعْتُبِرَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَبِذَلِكَ نُسِخَ مَا كَانَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ مِنْ ضَبْطِ مَوَاقِيتِ الْأَعْيَادِ الدِّينِيَّةِ بِالتَّارِيخِ الشَّمْسِيِّ، وَأُبْطِلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.

(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)

أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ تَعْظِيمَ حُرْمَتِهَا بِأَنْ يَتَجَنَّبُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ فِيهَا.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ ضَمِيرَ (فِيهِنَّ) بِالْأَشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: فَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْمَعَاصِي فِي جَمِيعِ السَّنَةِ يَعْنِي أَنَّ حُرْمَةَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ فِي ضَمَائِرِ التَّأْنِيث بَين (فيها) و (فِيهِنَّ) وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ تَفَنُّنٌ وَظُلْمُ النَّفْسِ هُوَ فِعْلُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ فِعْلَهُ إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إِلَى الْعَذَابِ، فَكَانَ ظُلْمًا لِلنَّفْسِ.

وَالْأَنْفُسُ تُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَنْفُسُ الظَّالِمِينَ فِي قَوْلِهِ: (فَلا تَظْلِمُوا) أَيْ لَا يَظْلِمْ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ.

وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْمَعَاصِي فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ بِالنَّهْيِ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِلْعِبَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُتَلَبِّسًا بِالْعِبَادَةِ فِيهَا فَلْيُكَنْ غَيْرَ مُتَلَبِّسٍ بِالْمَعَاصِي، وَلَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعَاصِي فِيهَا بِمُقْتَضٍ أَنَّ الْمَعَاصِيَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ لَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيهَا أَعْظَمُ وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا أَكْثَرُ أَجْرًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) [الْبَقَرَة: 197] فَإِنَّ الْفُسُوقَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْحَجِّ وَفِي غَيْرِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ أَنْفُسَ غَيْرِ الظَّالِمِينَ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ كَالنَّفْسِ مِنَ الْجَسَدِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) [النُّور: 61] ، أَيْ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ فِيهَا عَلَى أَرْجَحِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي تِلْكَ الْآيَةِ.

(وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)

أَحْسَبُ أَنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الْآيَةِ مَوْقِعُ الِاحْتِرَاسِ مِنْ ظَنِّ أَنَّ النَّهْي عَن انْتِهَاء الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِيهَا إِذا بدأوا بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ.

و (كَافَّةً) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ بِمَنْزِلَةِ (كُلٍّ) لَا يَخْتَلِفُ لَفْظُهَا بِاخْتِلَافِ الْمُؤَكَّدِ مِنْ إِفْرَادٍ وَتَثْنِيَةٍ وَجَمْعٍ، وَلَا مِنْ تَذْكِيرٍ وَتَأْنِيثٍ، وَكَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَفِّ عَنِ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ تَعْمِيمِ الذَّوَاتِ تَعْمِيمُ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِعُمُومِ الذَّوَاتِ، أَيْ كُلُّ فِرَقِ الْمُشْرِكِينَ، فَكُلُّ فَرِيقٍ وُجِدَ فِي حَالَةٍ مَا، وَكَانَ قَدْ بَادَأَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ، فَالْمُسْلِمُونَ مَأْمُورُونَ بِقِتَالِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ: كُلُّ فَرِيقٍ يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْحَرَمِ.

وَجُمْلَةُ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) تَأْيِيدٌ وَضَمَانٌ بِالنَّصْرِ عِنْدَ قِتَالِهِمُ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ هُنَا مَعِيَّةُ تَأْيِيدٍ عَلَى الْعَمَلِ، وَلَيْسَتْ مَعِيَّةَ عِلْمٍ، إِذْ لَا تَخْتَصُّ مَعِيَّةُ الْعِلْمِ بِالْمُتَّقِينَ.

وَابْتُدِئَتِ الْجُمْلَةُ بِـ (اعْلَمُوا) لِلِاهْتِمَامِ بِمَضْمُونِهَا، بِحَيْثُ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمُوهُ وَيَعُوهُ.

وَالْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ فِي الْمُتَّقِينَ، دُونَ أَنْ يُقَالَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ لِيَحْصُلَ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ الظَّاهِرِ مَعْنَى الْعُمُومِ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِالْحَالِ الْمَحْكِيَّةِ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ مَعْدُودُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُمْ لِتَقْوَاهُمْ، وَأَنَّ الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَتَقْوَى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ هُمُ الْمُعْتَدُونَ عَلَى حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ، وَهُمُ الْحَامِلُونَ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بِالْمِثْلِ لِلدِّفَاعِ عَن النَّفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت