فهرس الكتاب

الصفحة 1064 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 232]

(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(232)

الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مُخَاطَبَةُ أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ بِأَلَّا يَمْنَعُوهُنَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ أَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ الْمُفَارِقِينَ بِإِمْسَاكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ وَرَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ، إِذْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتِ الرَّغْبَةَ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَتْ تَأْلَفُهُ وَتُعَاشِرُهُ لَمْ تَلْبَثْ أَنْ تَقْرِنَ رَغْبَتَهُ بِرَغْبَتِهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ سَرِيعَةُ الِانْفِعَالِ قَرِيبَةُ الْقَلْبِ، فَإِذَا جَاءَ مَنْعٌ فَإِنَّمَا يَجِيءُ مِنْ قَبَلِ الْأَوْلِيَاءِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَرْغِيبَ النِّسَاءِ فِي الرِّضَا بِمُرَاجَعَةِ أَزْوَاجِهِنَّ وَنَهَى الْأَوْلِيَاءَ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ عُرِفَ مِنْ شَأْنِ الْأَوْلِيَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا قَارَبَهَا، الْأَنَفَةُ مِنْ أَصْهَارِهِمْ، عِنْدَ حُدُوثِ الشِّقَاقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ وَلَايَاهُمْ، وَرُبَّمَا رَأَوُا الطَّلَاقَ اسْتِخْفَافًا بِأَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ وَقِلَّةِ اكْتِرَاثٍ بِهِمْ، فَحَمَلَتْهُمُ الْحَمِيَّةُ عَلَى قَصْدِ الانتقام مِنْهُم عِنْد مَا يَرَوْنَ مِنْهُمْ نَدَامَةً، وَرَغْبَةً فِي الْمُرَاجَعَةِ.

وَإِسْنَادُ النِّكَاحِ إِلَى النِّسَاءِ هُنَا لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْضُولُ عَنْهُ، وَالْمرَاد بأزواجهن طالبو الْمُرَاجَعَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَسَمَّاهُنَّ أَزْوَاجًا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمَنْعَ ظُلْمٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَزْوَاجًا لَهُنَّ مِنْ قَبْلُ، فَهُمْ أَحَق بِأَن يرجّهن إِلَيْهِمْ.

وَقَوْلُهُ: (إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) شَرْطٌ لِلنَّهْيِ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا عَلِمَ عَدَمَ التَّرَاضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَرَأَى أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ سَتَعُودُ إِلَى دَخَلٍ وَفَسَادٍ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَوْلَاتَهُ نُصْحًا لَهَا، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ: وَهِيَ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَحِقُّ لَهُ مَنْعُهَا مَعَ تَرَاضِي الزَّوْجَيْنِ بِعَوْدِ الْمُعَاشَرَةِ، إِذْ لَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَدْرَى بِمَيْلِهَا مِنْهَا، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ الْمَشْهُورِ

«رَضِيَ الْخَصْمَانِ وَلَمْ يَرْضَ الْقَاضِي» .

وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِبَارِ الْوِلَايَةَ لِلْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بِنَاءً عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّ جَانِبَ الْمَرْأَةِ جَانِبٌ ضَعِيفٌ مَطْمُوعٌ فِيهِ، مَعْصُومٌ عَنِ الِامْتِهَانِ، فَلَا يَلِيقُ تَرْكُهَا تَتَوَلَّى مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ بِنَفْسِهَا لِأَنَّهُ يُنَافِي نَفَاسَتِهَا وَضَعْفِهَا، فَقَدْ يَسْتَخِفُّ بِحُقُوقِهَا الرِّجَالُ، حِرْصًا عَلَى مَنَافِعِهِمْ وَهِيَ تَضْعُفُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ.

وَوَجْهُ الْإِشَارَةِ: أَنَّ اللَّهَ أَشَارَ إِلَى حَقَّيْنِ: حَقِّ الْوَلِيِّ بِالنَّهْيِ عَنِ الْعَضْلِ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِيَدِهِ لَمَا نَهَى عَنْ مَنْعِهِ، وَلَا يُقَالُ: نَهَى عَنِ اسْتِعْمَالِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ كَافِيًا، وَلَجِيءَ بِصِيغَةِ: مَا يَكُونُ لَكُمْ وَنَحْوِهَا وَحَقِّ الْمَرْأَةِ فِي الرِّضَا وَلِأَجْلِهِ أَسْنَدَ اللَّهُ النِّكَاحَ إِلَى ضَمِيرِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَنْ تُنْكِحُوهُنَّ أَزْوَاجَهُنَّ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْإِسْلَامِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت