(وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)
وَالْعِبَادُ الَّذِينَ أُضِيفُوا إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّوْمِ وَلَوَازِمِهِ وَجَزَائِهِ وَهُوَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ غَالِبًا فِي ذِكْرِ الْعِبَادِ مُضَافًا لِضَمِيرِ الْجَلَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ) [الْفرْقَان: 17] بِمَعْنَى الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَضَاهُ أَنَّهُ فِي مَقَامِ تَنْدِيمِهِمْ عَلَى اسْتِعْبَادِهِمْ لِلْأَصْنَامِ.
وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) وَلَمْ يَقُلْ: فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي قَرِيبٌ إِيجَازًا لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي) وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ مَفْرُوضٌ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْهُمْ بِالْفِعْلِ، وَفِيهِ لَطِيفَةٌ قُرْآنِيَّةٌ وَهِيَ إِيهَامٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى جَوَابَهُمْ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِنَفْسِهِ إِذْ حَذَفَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَسَاطَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْبِيهًا عَلَى شِدَّةِ قُرْبِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ.
واحتيج للتَّأْكِيد بإنّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ غَرِيبٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى قَرِيبًا مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَرَوْنَهُ.
و (أُجِيبُ) خبر ثَان لإنّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِخْبَارِ الَّذِي قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لَهُ لِتَسْهِيلِ قَبُولِهِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، وَإِلَى أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ، وَإِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ عِنْدَ انْتِهَاءِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ.
وَأَصْلُ أَجَابَ وَاسْتَجَابَ أَنَّهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْمُنَادِي بِالْقُدُومِ، أَوْ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْحُضُورِ نَحْوَ (لَبَّيْكَ) ، ثُمَّ أُطْلِقَ مَجَازًا مَشْهُورًا عَلَى تَحْقِيقِ مَا يَطْلُبُهُ الطَّالِبُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِتَحْقِيقِهِ يَقْطَعُ مَسْأَلَتَهُ فَكَأَنَّهُ أَجَابَ نِدَاءَهُ.