(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(31)
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْأَسْمَاءِ) تَعْرِيفٌ الْجِنْسِ أُرِيدَ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ جَمِيعَ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ الْمَعْرُوفَةِ يَوْمَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ فَهُوَ اسْتِغْرَاقٌ عرفي مثل جمع الْأَمِيرُ الصَّاغَةَ أَيْ صَاغَةَ أَرْضِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي تَظْهَرُ بِهِ الْفَضِيلَةُ فَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَلِيقُ تَعْلِيمُهُ بِالْحِكْمَةِ وَقُدْرَةُ اللَّهِ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ.
وَتَعْرِيفُ الْأَسْمَاءِ يُفِيدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ كُلَّ اسْمٍ مَا هُوَ مُسَمَّاهُ وَمَدْلُولُهُ، وَالْإِتْيَانُ بِالْجَمْعِ هُنَا مُتَعَيَّنٌ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ وَعَلَّمَ آدَمَ الِاسْمَ، وَمَا شَاعَ مِنْ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ فِي الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَلَامٌ غَيْرُ مُحَرِّرٍ، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ السَّكَّاكِيِّ وَسَنُحَقِّقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ) [الْبَقَرَة: 177] فِي هَذَا السُّورَةِ.
وكُلَّها تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْهُ الْعَهْدُ فَلَمْ تَزِدْ كَلِمَةُ كُلَّ الْعُمُومَ شُمُولًا وَلَكِنَّهَا دَفَعَتْ عَنْهُ الِاحْتِمَالَ.
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (ثُمَّ) هُنَا لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِهَا فِي عَطْفِهَا الْجُمَلَ لِأَنَّ رُتْبَةَ هَذَا الْعَرْضِ وَظُهُورَ عَدَمِ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ وَظُهُورَ عِلْمِ آدَمَ وَظُهُورَ أَثَرِ عِلْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ أَرْفَعُ رُتْبَةً فِي إِظْهَارِ مَزِيَّةِ آدَمَ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ، مِنْ رُتْبَةِ مُجَرَّدِ تَعَلُّمِهِ الْأَسْمَاءَ لَوْ بَقِيَ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِهِ مَا حَدَثَ مِنَ الْحَادِثَةِ كُلِّهَا.
وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ لَفْظِ (اسْمٍ) مِنَ الْمَفْهُومَاتِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهَا عَلَى تَعَقُّلِ غَيْرِهَا إِذِ الِاسْمُ لَا يكون إِلَّا لمسمى كَانَ ذِكْرُ الْأَسْمَاءِ مُشْعِرًا لَا مَحَالَةَ بِالْمُسَمَّيَاتِ فَجَازَ لِلْبَلِيغِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْذِفَ لَفْظَ الْمُسَمَّيَاتِ إِيجَازًا.
وَضَمِيرُ (عَرَضَهُمْ) لِلْمُسَمَّيَاتِ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْرَضُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) فَإِنَّ الِاسْمَ يَقْتَضِي مُسَمًّى وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَلَا تُعْرَضُ لِأَنَّ الْعَرْضَ إِظْهَارُ الذَّاتِ بَعْدَ خَفَائِهَا وَمِنْهُ عَرْضُ الشَّيْءِ لِلْبَيْعِ وَيَوْمُ الْعَرْضِ وَالْأَلْفَاظُ لَا تَظْهَرُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَعْرُوضَ مَدْلُولَاتُ الْأَسْمَاءِ إِمَّا بِأَنْ تُعْرَضَ صُوَرٌ مِنَ الذَّوَاتِ فَقَطْ وَيُسْأَلُ عَنْ مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهَا أَيْ مَعْرِفَةِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا، أَوْ عَنْ بَيَانِ مَوَاهِيِّهَا وَخَصَائِصِهَا وَإِمَّا بِأَنْ تُعْرَضَ الذَّوَاتُ وَالْمَعَانِي بِخَلْقِ أَشْكَالٍ دَالَّةٍ عَلَى الْمَعَانِي كَعَرْضِ الشَّجَاعَةِ فِي صُورَةِ فِعْلِ صَاحِبِهَا وَالْعِلْمِ فِي صُورَةِ إِفَاضَةِ الْعَالِمِ فِي دَرْسِهِ أَوْ تَحْرِيرِهِ كَمَا نَرَى فِي الصُّوَرِ الْمَنْحُوتَةِ أَوِ الْمَدْهُونَةِ لِلْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ عِنْدَ الْيُونَانَ وَالرُّومَانِ وَالْفُرْسِ وَالصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ عِنْدَ الْإِفْرِنْجِ، بِحَيْثُ يَجِدُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْمَعْرُوضَ مَعْنَى شَجَاعَةٍ أَوْ مَعْنَى عِلْمٍ وَيَقْرُبُ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ فِي الْمَرَائِي الْحُلْمِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ حَالَةُ عَالَمٍ أَوْسَعَ مِنْ عَالَمِ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَادَّةِ.
وَإِعَادَةُ ضَمِيرِ الْمُذَكِّرِ الْعَاقِلِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ فِي قَوْلِهِ: (عَرَضَهُمْ) لِلتَّغْلِيبِ لِأَنَّ أَشْرَفَ الْمَعْرُوضَاتِ ذَوَاتُ الْعُقَلَاءِ وَصِفَاتُهُمْ عَلَى أَنَّ وُرُودَ مِثْلِهِ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي أَصْلُهَا لِلْعُقَلَاءِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) [الْإِسْرَاء: 36] .
وَالدَّاعِي إِلَى هَذَا أَنْ يُعْلَمَ ابْتِدَاءً أَنَّ الْمَعْرُوضَ غَيْرُ الْأَسْمَاءِ حَتَّى لَا يَضِلَّ فَهْمُ السَّامِعِ قَبْلَ سَمَاعِ قَرِينَةِ (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) .
وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: (أَنْبِئُونِي) أَمر تعجيز بِقَرِينَةِ كَوْنِ الْمَأْمُورِ يَعْلَمُ أَنَّ الْآمِرَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَاسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِي التَّعْجِيزِ مَجَازٌ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْآمِرِ بِعَجْزِ الْمَأْمُورِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْآمِرِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.