فهرس الكتاب

الصفحة 2795 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 125]

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(125)

وَالْهُدَى إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ النَّافِعَةِ: لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ إِصَابَةُ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ لِلْمَكَانِ الْمَقْصُودِ، وَمَجَازُهُ رَشَادُ الْعَقْلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ مُتَعَلَّقِهِ هُنَا لِظُهُورِ أَنَّهُ الْهُدَى لِلْإِسْلَامِ، مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 23] فَهُوَ تَهَكُّمٌ.

وَالضَّلَالُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي أَحْوَالٍ مُضِرَّةٍ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ خَطَأُ الطَّرِيقِ الْمَطْلُوبِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مُشْعِرًا بِالضُّرِّ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُهُ، فَهُوَ هُنَا الِاتِّصَافُ بِالْكُفْرِ لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ خَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَالضَّلَالِ عَنِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ كَانَ الضَّالُّ غَيْرَ طَالِبٍ لِلْإِسْلَامِ، لَكِنَّهُ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَقْبَلَ مِنْ أَمْرِهِ مَا اسْتَدْبَرَ لَطَلَبَهُ.

وَالشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ شَقُّ اللَّحْمِ، وَالشَّرِيحَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ تُشَقُّ حَتَّى تُرَقَّقَ لِيَقَعَ شَيُّهَا.

وَاسْتُعْمِلَ الشَّرْحُ فِي كَلَامِهِمْ مَجَازًا فِي الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ، وَاسْتُعْمِلَ أَيْضًا مَجَازًا فِي انْجِلَاءِ الْأَمْرِ، وَيَقِينِ النَّفْسِ بِهِ، وَسُكُونِ الْبَالِ لِلْأَمْرِ، بِحَيْثُ لَا يُتَرَدَّدُ فِيهِ وَلَا يُغْتَمُّ مِنْهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ التَّفْسِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشَّرْح: 1] .

وَالصَّدْرُ مُرَادٌ بِهِ الْبَاطِنُ، مَجَازًا فِي الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ بِعَلَاقَةِ الْحُلُولِ، فَمَعْنَى يَشْرَحْ صَدْرَهُ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ وَعَقْلِهِ اسْتِعْدَادًا وَقَبُولًا لِتَحْصِيلِ الْإِسْلَامِ، وَيُوَطِّنُهُ لِذَلِكَ حَتَّى يَسْكُنَ إِلَيْهِ وَيَرْضَى بِهِ، فَلِذَلِكَ يُشَبَّهُ بِالشَّرْحِ، وَالْحَاصِلُ لِلنَّفْسِ يُسَمَّى انْشِرَاحًا، يُقَالُ: لَمْ تَنْشَرِحْ نَفْسِي لِكَذَا، وَانْشَرَحَتْ لِكَذَا.

وَإِذَا حَلَّ نُورُ التَّوْفِيقِ فِي الْقَلْبِ كَانَ الْقَلْبُ كَالْمُتَّسِعِ، لِأَنَّ الْأَنْوَارَ تُوَسِّعُ مَنَاظِرَ الْأَشْيَاءِ.

وَمَعْنَى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ مَنْ يُرِدْ دَوَامَ ضَلَالِهِ بِالْكُفْرِ، أَوْ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ عَنِ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَالْمُرَادُ ضَلَالٌ مُسْتَقْبَلٌ، إِمَّا بِمَعْنَى دَوَامِ الضَّلَالِ الْمَاضِي، وَإِمَّا بِمَعْنَى ضَلَالٍ عَنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يُضِلَّهُ بِكُفْرِهِ الْقَدِيمِ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَضَى وَتَقَرَّرَ.

وَقَدِ اسْتُعِيرَ الضَّيِّقُ لِضِدِّ مَا اسْتُعِيرَ لَهُ الشَّرْحُ فَأُرِيدَ بِهِ الَّذِي لَا يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْإِيمَانِ وَلَا تَسْكُنُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مُضْطَرِبَ الْبَالِ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) وَتَقَدَّمَ فِي (سُورَةِ النِّسَاءِ) [90] .

وَإِتْبَاعُ الضَّيِّقِ بِالْحَرَجِ: لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الضِّيقِ، لِأَنَّ فِي الْحَرَجِ مِنْ مَعْنَى شِدَّةِ الضِّيقِ مَا لَيْسَ فِي ضَيِّقٍ.

وَالْمَعْنَى يَجْعَلْ صَدْرَهُ غَيْرَ مُتَّسِعٍ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ، بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) .

وَزَادَ حَالَةَ الْمُضَلَّلِ عَنِ الْإِسْلَامِ تَبْيِينًا بِالتَّمْثِيلِ، فَقَالَ: (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) .

مُثِّلَ حَالُ الْمُشْرِكِ حِينَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ أَوْ حِينَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ، فَيَتَأَمَّلُ فِي دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، بِحَالِ الصَّاعِدِ، فَإِنَّ الصَّاعِدَ يَضِيقُ تَنَفُّسُهُ فِي الصُّعُودِ، وَهَذَا تَمْثِيلُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ، لِأَنَّ الصُّعُودَ فِي السَّمَاءِ غَيْرُ وَاقِعٍ.

وَجُمْلَةُ: (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) تَذْيِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.

وعَلَى فِي قَوْلِهِ: (عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) تُفِيدُ تَمَكُّنَ الرِّجْسِ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَالْعِلَاوَةُ مَجَازٌ فِي التَّمَكُّنِ، وَالْمُرَادُ تَمَكُّنُهُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَظُهُورُ آثَارِهِ عَلَيْهِمْ.

وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي (يَجْعَلْ) لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَنْ يَنْصَرِفُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَيُعْرِضُ عَنْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت