(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189)
وَابْتُدِئَتِ الْآيَة بـ (يَسْئَلُونَكَ) لِأَنَّ هُنَالِكَ سُؤَالًا وَاقِعًا عَنْ أَمْرِ الْأَهِلَّةِ.
وَجَمِيعُ الْآيَاتِ الَّتِي افتتحت بـ (يَسْئَلُونَكَ) هِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِأَحْكَامٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا فَيَكُونُ مَوْقِعُهَا فِي الْقُرْآنِ مَعَ آيَاتٍ تُنَاسِبُهَا نَزَلَتْ فِي وَقْتِهَا أَوْ قُرِنَتْ بِهَا.
وَجَمَعَ الضَّمِيرَ فِي قَوْله: (يَسْئَلُونَكَ) مَعَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ رَجُلَانِ - نَظَرًا لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَهُمُّ جَمِيعَ السَّامِعِينَ أَثْنَاءَ تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَلِأَنَّ مِنْ تَمَامِ ضَبْطِ النِّظَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ قَدْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتَشْرَفَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لِمَعْرِفَتِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ سَأَلَ بِالْقَوْلِ وَمَنْ سَأَلَ فِي نَفْسَهُ.
وَذَكَرَ فَوَائِدَ خَلْقِ الْأَهِلَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْحَجِّ وَقْتًا مِنَ الْأَشْهُرِ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ وَذَلِكَ تَمْهِيدًا لِإِبْطَالِ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ النَّسِيءِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ.
وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ آيَاتٌ مفتتحة بـ (يَسْئَلُونَكَ) وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ غَيْرُ بعيد بَعْضهَا عَن بَعْضٍ، جَاءَ بَعْضُهَا غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِحَرْفِ الْعَطْفِ وَهِيَ أَرْبَعٌ وَبَعْضُهَا مَعْطُوفًا بِهِ وَهِيَ الثَّلَاثُ الْأَوَاخِرُ مِنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَبْيِينِ تَجَرُّدِهَا عَنِ الْعَاطِفِ لِأَنَّهَا فِي اسْتِئْنَافِ أَحْكَامٍ لَا مُقَارَنَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَضْمُونِ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا فَكَانَتْ جَدِيرَةً بِالْفَصْلِ دُونَ عَطْفٍ، وَلَا يَتَطَلَّبُ لَهَا سِوَى الْمُنَاسَبَةِ لِمَوَاقِعِهَا.
وَأَمَّا الْجُمَلُ الثَّلَاثُ الْأَوَاخِرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِالْعَاطِفِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَحْكَامٍ لَهَا مَزِيدُ اتِّصَالٍ بِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا فَكَانَ السُّؤَالُ الْمَحْكِيُّ فِيهَا مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَنْشَأَ عَنِ الَّتِي قبلهَا فَكَانَت حَقِيقَة بِالْوَصْلِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي مَوَاقِعِهَا.
وَسَمَّى الْعَرَبُ الْوَقْتَ الْمُعَيَّنَ مِيقَاتًا كَأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ الْوَقْتُ عَيْنُهُ.
وَقِيلَ: الْمِيقَاتُ أَخَصُّ مِنَ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، قُلْتُ: فَعَلَيْهِ يَكُونُ صَوْغُهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْآلَةِ اعْتِبَارًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْمُعَيَّنَ يَكُونُ وَسِيلَةً لِتَحْدِيدِ الْوَقْتِ فَكَأَنَّهُ آلَةٌ لِلضَّبْطِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا وَقْتَ لَهَا فَلَا تَكُونُ لِلْأَهِلَّةِ فَائِدَةٌ فِي فِعْلِهَا.
وَمَجِيءُ ذِكْرِ الْحَجِّ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَطِيعُونَ الْحَج حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَمْنَعُونَهُمْ - إِشَارَةً إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ ثَابِتٌ وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ حَالُوا دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَدُونَهُ.