فهرس الكتاب

الصفحة 2630 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 82]

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)

هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ فَيَكُونُ جَوَابًا مِنْهُ عَنْ قَوْلِهِ: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ) [الْأَنْعَام: 81] .

تَوَلَّى جَوَابَ اسْتِفْهَامِهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ جَوَابَهُمْ لِكَوْنِ الْجَوَابِ مِمَّا لَا يَسَعُ الْمَسْئُولَ إِلَّا أَنْ يُجِيبَ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ تَبْكِيتٌ لَهُمْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَمَا يَسْأَلُ الْعَالِمُ وَيُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، أَيْ بِقَوْلِهِ: «فَإِنْ قُلْتَ قُلْتُ» .

وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدِ انْتَهَى قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الْأَنْعَام: 81] بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِابْتِدَاءِ حُكْمٍ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا تَصْدِيقًا لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ.

وَقِيلَ: هُوَ حِكَايَةٌ لِكَلَامٍ صَدَرَ مِنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ) [الْأَنْعَام: 81] .

وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ قَوْلِ قَوْمِهِ لَمَا اسْتَمَرَّ بِهِمُ الضَّلَالُ وَالْمُكَابَرَةُ إِلَى حَدِّ أَنْ أَلْقَوْا إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ.

وَحَقِيقَةُ (يَلْبِسُوا) يَخْلِطُوا، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْعَمَلِ بِشَيْئَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

شُبِّهَ بِخَلْطِ الْأَجْسَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ) [الْبَقَرَة: 42] .

وَالظُّلْمُ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ صَاحِبِ حَقٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا إِشْرَاكُ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ فِي اعْتِقَادِ الْإِلَهِيَّةِ وَفِي الْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لُقْمَان: 13] لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الِاعْتِدَاءِ، إِذْ هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ الْمُطْلَقِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا وَقَوْلًا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ.

فَفِي الْحَدِيثِ «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» .

وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُ الظُّلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالشِّرْكِ.

فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «لَمَّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» ) [لُقْمَان: 13] اهـ.

وَذَلِكَ أَنَّ الشِّرْكَ جَمَعَ بَيْنَ الِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالِاعْتِرَافِ لِغَيْرِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ أَيْضًا.

وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِرَافُ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا كَانَ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ مَخْلُوطًا بِظُلْمٍ وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِغَيْرِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُلَائِمُ لِاسْتِعَارَةِ اسْمِ الْخَلْطِ لِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَإِشْرَاكَ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ كِلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اعْتِقَادُ الرُّبُوبِيَّةِ فَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ، وَذَلِكَ أَظْهَرُ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْأَجْسَامِ الْمُتَمَاثِلَةِ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَاطُهَا أَشَدَّ فَإِنَّ التَّشَابُهَ أَقْوَى أَحْوَالِ التَّشْبِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيَانِ.

وَالْمَعْنَى الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ.

وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ جَدِيرٌ بِالْمُسْنَدِ مِنْ أَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوْصَافِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ (لَهُمُ الْأَمْنُ) أَشَارَتِ اللَّامُ إِلَى أَنَّ الْأَمْنَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ وَثَابِتٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ: آمِنُونَ.

وَالْمُرَادُ الْأَمْنُ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا بِالِاسْتِئْصَالِ وَنَحْوِهِ وَمَا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ الْجَاحِدَةُ، وَمِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا مِنْهُمْ حِينَئِذٍ إِلَّا التَّوْحِيدُ.

وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَمْنُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهُوَ الْأَمْنُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ حَتَّى يَجِيءَ فِيهِ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَالثَّانِيَةُ عَيْنُ الْأُولَى إِذْ لَا يُحْتَمَلُ هُنَا غَيْرُ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: (وَهُمْ مُهْتَدُونَ)

الضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيِ الِاهْتِدَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، أَيْ أَنَّ غَيْرَهُمْ لَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الْبَقَرَة: 55] وَقَوْلِهِ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) [التَّوْبَة: 104] .

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ لَمَّا نَبَذُوا الشِّرْكَ فَقَدِ اهْتَدَوْا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت