(إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
وَابْتَدَأُوا خِطَابَهُمْ عِيسَى بِنِدَائِهِ بِاسْمِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَيَقُولُونَهُ أَمْرٌ فِيهِ اقْتِرَاحٌ وَكُلْفَةٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يُخَاطِبُ مَنْ يَتَجَشَّمُ مِنْهُ كُلْفَةً أَنْ يُطِيلَ خِطَابَهُ طَلَبًا لِإِقْبَالِ سَمْعِهِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَوْعَى لِلْمَقْصُودِ.
وَجَرَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) عَلَى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ فِي الْعَرْضِ وَالدُّعَاءِ، يَقُولُونَ لِلْمُسْتَطِيعِ لِأَمْرٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ كَذَا، عَلَى مَعْنَى تَطَلُّبِ الْعُذْرِ لَهُ إِنْ لَمْ يُجِبْكَ إِلَى مَطْلُوبِكَ وَأَنَّ السَّائِلَ لَا يُحِبُّ أَنْ يُكَلِّفَ الْمَسْئُولَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ فَلَمْ يَبْقَ مَنْظُورًا فِيهِ إِلَى صَرِيحِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي أَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَسْئُولِ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى مِنْهُ، وَفِي شَيْءٍ يَعْلَمُ أَنه مستطاع للمَسْئُول، فَقَرِينَةُ الْكِنَايَةِ تَحَقُّقُ الْمَسْئُولِ أَنَّ السَّائِلَ يَعْلَمُ اسْتِطَاعَتَهُ.
وَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ» .
فَإِنَّ السَّائِلَ يَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
فَلَيْسَ قَوْلُ الْحَوَارِيِّينَ الْمَحْكِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لَفْظًا مِنْ لُغَتِهِمْ يَدُلُّ عَلَى التَّلَطُّفِ وَالتَّأَدُّبِ فِي السُّؤَالِ، كَمَا هُوَ مُنَاسِبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ الْخَالِصِ.
وَلَيْسَ شَكًّا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوا آيَةً لِزِيَادَةِ اطْمِئْنَانِ قُلُوبِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِأَنْ يَنْتَقِلُوا مِنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ إِلَى الدَّلِيلِ الْمَحْسُوسِ.
فَإِنَّ النُّفُوسَ بِالْمَحْسُوسِ آنَسُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ سُؤَالُ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) [الْبَقَرَة: 260] شَكًّا فِي الْحَالِ.
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَرَى تَفْسِيرُ الْمُحَقِّقِينَ مِثْلَ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَالْوَاحِدِيِّ، وَالْبَغَوِيِّ خِلَافًا لِمَا فِي «الْكَشَّافِ» .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (يَسْتَطِيعُ) بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَرَفْعِ (رَبُّكَ) .
وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) - بِتَاءِ الْمُخَاطَبِ وَنَصْبِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - مِنْ قَوْلِهِ (رَبَّكَ) عَلَى أَنَّ (رَبَّكَ) مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى هَلْ تَسْأَلُ لَنَا رَبَّكَ، فَعَبَّرَ بِالِاسْتِطَاعَةِ عَنْ طَلَبِ الطَّاعَةِ، أَيْ إِجَابَةِ السُّؤَالِ.
وَقِيلَ: هِيَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ، فَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَ الْمُضَافِ فِي إِعْرَابِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الْحَوَارِيُّونَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، وَلَكِنْ قَالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَقْرَأْنَا النَّبِيءُ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) .
وَإِنَّمَا سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ كَوْنَ الْمَائِدَةِ مُنَزَّلَةً مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا أَنْ تَكُونَ خَارِقَةً لِلْعَادَةِ فَلَا تَكُونُ مِمَّا صُنِعَ فِي الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ مِنْ عَالَمٍ عُلْوِيٍّ.
وَقَوْلُ عِيسَى حِينَ أَجَابَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَمْرٌ بِمُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَعَدَمِ تَزَلْزُلِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بِـ (إِنْ) الْمُفِيدَةِ لِلشَّكِّ فِي الْإِيمَانِ لِيَعْلَمَ الدَّاعِي إِلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ نَشَأَ لَهُمْ عَنْ شَكٍّ فِي صِدْقِ رَسُولِهِمْ، فَسَأَلُوا مُعْجِزَةً يَعْلَمُونَ بِهَا صِدْقَهُ بَعْدَ أَنْ آمَنُوا بِهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ الْمَحْكِيِّ فِي قَوْلِهِ: (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أَيْ أَلَمْ تَكُنْ غَنِيًّا عَنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ الْمَحْسُوسِ.
فَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى فِي كَلَامِ عِيسَى مَا يَشْمَلُ الْإِيمَانَ وَفُرُوعَهُ.
وَقِيلَ: نَهَاهُمْ عَنْ طَلَبِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَصَلَ إِيمَانُكُمْ فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى الْمُعْجِزَةِ.
فَأَجَابُوهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ مَا أَرَادُوا ذَلِكَ لِضَعْفٍ فِي إِيمَانِهِمْ إِنَّمَا أَرَادُوا التَّيَمُّنَ بِأَكْلِ طَعَامٍ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِكْرَامًا لَهُمْ، وَلِذَلِكَ زَادُوا مِنْها وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى أَنْ نَأْكُلَ إِذْ لَيْسَ غَرَضُهُمْ مِنَ الْأَكْلِ دَفْعَ الْجُوعِ بَلِ الْغَرَضُ التَّشَرُّفُ بِأَكْلٍ مِنْ شَيْءٍ نَازِلٍ مِنَ السَّمَاءِ.
(وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا) أَيْ بِمُشَاهَدَةِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْحِسِّيَّ أَظْهَرُ فِي النَّفْسِ، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا، أَيْ نَعْلَمُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ لَا عِلْمَ اسْتِدْلَالٍ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمَانِ (وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) أَيْ مِنَ الشَّاهِدِينَ عَلَى رُؤْيَةِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ فَنُبَلِّغُهَا مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا.
فَهَذِهِ أَرْبَعُ فَوَائِدَ لِسُؤَالِ إِنْزَالِ الْمَائِدَةِ، كُلُّهَا دَرَجَاتٍ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ أَمْثَالُهُمْ.
وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ (عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) لِلرِّعَايَةِ على الفاصلة.