فهرس الكتاب

الصفحة 2679 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 94]

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(94)

وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّهُمْ جَاءُوا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ مَجِيئَهُمْ مَعْلُومٌ لَهُمْ وَلَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَخْطِئَتِهِمْ وَتَوْقِيفِهِمْ عَلَى صِدْقِ مَا كَانُوا يُنْذِرُونَ بِهِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ فَيُنْكِرُونَهُ وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْحِسَابِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.

وَقَدْ يُقْصَدُ مَعَ هَذَا الْمَعْنَى مَعْنَى الْحُصُولِ فِي الْمِكْنَةِ وَالْمَصِيرِ إِلَى مَا كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ لَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ) [النُّور: 39] .

وَقَوْلُهُ: (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) تَشْبِيهٌ لِلْمَجِيءِ أُرِيدَ مِنْهُ مَعْنَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ الَّذِي كَانُوا يُنْكِرُونَهُ فَقَدْ رَأَوْهُ رَأْيَ الْعَيْنِ، فَالْكَافُ لِتَشْبِيهِ الْخَلْقِ الْجَدِيدِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ.

وَالتَّخْوِيلُ: التَّفَضُّلُ بِالْعَطَاءِ.

قِيلَ: أَصْلُهُ إِعْطَاءُ الْخَوَلِ - بِفَتْحَتَيْنِ - وَهُوَ الْخَدَمُ، أَيْ إِعْطَاءُ الْعَبِيدِ.

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي إِعْطَاءِ مُطَلَّقِ مَا يَنْفَعُ، أَيْ تَرَكْتُمْ مَا أَنْعَمْنَا بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ.

وَ (مَا) مَوْصُولَةٌ وَمَعْنَى تَرْكِهِمْ إِيَّاهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ بُعْدُهُمْ عَنْهُ تَمْثِيلًا لِحَالِ الْبَعِيدِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَنْ بَارَحَهُ سَائِرًا، فَهُوَ يَتْرُكُ مَنْ يُبَارِحُهُ وَرَاءَهُ حِينَ مُبَارَحَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ سَارَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَبَلَغَ إِلَيْهِ وَلِذَلِكَ يُمَثِّلُ الْقَاصِدَ لِلشَّيْءِ بِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُقَالُ لِلْأَمْرِ الَّذِي يُهَيِّئُهُ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ: قَدْ قَدَّمَهُ.

وَقَوْلُهُ: (وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ) تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا شُفَعَاءَ لَهُمْ فَسِيقَ الْخِطَابُ إِلَيْهِمْ مَسَاقَ كَلَامِ مَنْ يَتَرَقَّبُ، أَيْ يَرَى شَيْئًا فَلَمْ يَرَهُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) [النَّحْل: 27] ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْوَصْفِ عَنْ شَيْءٍ يَدُلُّ غَالِبًا عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَكَانَ فِي هَذَا الْقَوْلِ إِيهَامُ أَنَّ شُفَعَاءَهُمْ مَوْجُودُونَ سِوَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا، وَلِذَلِكَ جِيءَ بِالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى الْحَالِ دُونَ الْمَاضِي لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ انْتِفَاءَ رُؤْيَةِ الشُّفَعَاءِ حَاصِلٌ إِلَى الْآنِ، فَفِيهِ إِيهَامُ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ مُحْتَمَلَةُ الْحُصُولِ بَعْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي التَّهَكُّمِ.

وَأُضِيفَ الشُّفَعَاءُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ شُفَعَاءُ مَعْهُودُونَ، وَهُمُ الْآلِهَةُ الَّتِي عَبَدُوهَا وَقَالُوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) [الزمر: 3] (وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) [يُونُس: 18] .

وَقَدْ زِيدَ تَقْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) .

وَالزَّعْمُ: الْقَوْلُ الْبَاطِلُ سَوَاءً كَانَ عَن تعمّد للباطل كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [النِّسَاء: 60] أَمْ كَانَ عَنْ سُوءِ اعْتِقَادٍ كَمَا هُنَا، وَقَوْلِهِ: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) [الْأَنْعَام: 22] .

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: (فِيكُمْ شُرَكاءُ) لِلِاهْتِمَامِ الَّذِي وَجَّهَهُ التَّعْجِيبُ مِنْ هَذَا الْمَزْعُومِ إِذْ جَعَلُوا الْأَصْنَامَ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ فَمِنْ أَيْنَ كَانَتْ شَرِكَةُ الْأَصْنَامِ لِلَّهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ، يَعْنِي لَوِ ادَّعَوْا لِلْأَصْنَامِ شَيْئًا مُغَيَّبًا لَا يُعْرَفُ أَصْلُ تَكْوِينِهِ لَكَانَ الْعَجَبُ أَقَلَّ، لَكِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبِ مِنِ ادِّعَائِهِمْ لَهُمُ الشَّرِكَةَ فِي أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَكَانَتِ الْعِبَادَةُ حَقًّا لِأَجَلِ الْخَالِقِيَّةِ، كَانَ قَدْ لَزِمَهُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ شُرَكَاءُ لِلَّهِ فِي أَنْفُسِ خَلْقِهِ، أَيْ فِي خَلْقِهِمْ، فَلِذَلِكَ عُلِّقَتِ النُّفُوسُ بِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى الشَّرِكَةِ.

وَقَوْلُهُ: (وَضَلَّ عَنْكُمْ) عَطْفٌ عَلَى (تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) وَهُوَ مِنْ تَمَامِ التَّهَكُّمِ وَالتَّأْيِيسِ.

وَمَعْنَى ضَلَّ: ضِدُّ اهْتَدَى، أَيْ جَهِلَ شُفَعَاؤُكُمْ مَكَانَكُمْ لَمَّا تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَيْكُمْ لِيَشْفَعُوا لَكُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت