فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 106]

(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106)

وَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) [الْبَقَرَة: 108] وَلِقَوْلِهِ: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) وَلَمْ يَقُلْ مِنْ شَرِيعَةٍ.

وَفِي هَذَا إِعْرَاضٌ عَنْ مُخَاطَبَةِ الْيَهُودِ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْمُسْلِمِينَ أَهَمُّ وَذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الرَّدَّ عَلَى الْيَهُودِ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِمَصْلَحَةٍ تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّرَائِعِ.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لَهَاتِهِ الْآيَةِ سَبَبَ نُزُولٍ، فَفِي «الْكَشَّاف» و «المعالم» : نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ الْيَهُودُ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» أَنَّ الْيَهُودَ طَعَنُوا فِي تَغْيِيرِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ فَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلِذَلِكَ يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ هَنَا حُكْمُ الْآيَةِ سَوَاءٌ أُزِيلَ لَفْظُهَا أَمْ أُبْقِيَ لَفْظُهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ حِكْمَةِ إِبْطَالِ الْأَحْكَامِ لَا إِزَالَةُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ.

وَالْمُرَادُ مِنَ النَّسْخِ هُنَا الْإِزَالَةُ وَإِثْبَاتُ الْعِوَضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الأصولين بِأَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ فَخَرَجَ التَّشْرِيعُ الْمُسْتَأْنَفُ إِذْ لَيْسَ بِرَفْعٍ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ رَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالشَّرْعِ الْمُسْتَأْنِفِ.

إِذِ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هِيَ الْبَقَاءُ عَلَى عَدَمِ التَّكْلِيفِ الَّذِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ إِلَّا فِي مَظِنَّةِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا أَوْ فِي مَوْضِعِ حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْوَاجِبَاتِ.

فَالْأَوَّلُ نَحْوَ قَوْلِهِ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) [الْبَقَرَة: 198] فِي التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ حَيْثُ ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ ذِي الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ) [النِّسَاء: 24] بَعْدَ ذِكْرِ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَوْلُهُ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) [الْبَقَرَة: 187] لِحَصْرِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ فِي خُصُوصِ زَمَنِ النَّهَارِ.

وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي التَّعْرِيفِ رَفْعُ الْحُكْمِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَانَ ثَابِتًا لَوْلَا رَفْعُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا زِيَادَةَ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْلُومِ دَوَامُهُ بِخِطَابٍ يَرْفَعُهُ لِيَخْرُجَ عَنْ تَعْرِيفِ النَّسْخِ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُغَيَّى بِغَايَةٍ عِنْدَ انْتِهَاءِ غَايَتِهِ وَرَفْعُ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَمْرٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّكْرَارِ.

وَحَيْثُ تَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ نَسْخِ الْآيَاتِ عُلِمَ مِنْهُ حِكْمَةُ نَسْخِ الشَّرَائِعِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِسْلَامِ قَدْ نَسَخَ التَّوْرَاةَ وَزَعَمُوا أَنَّ دَوَامَ التَّوْرَاةِ مَانِعٌ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالُوا (نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) [الْبَقَرَة: 91] وَهُوَ أَحْوَالٌ:

الْأَوَّلُ مَجِيءُ شَرِيعَةٍ لِقَوْمٍ مَجِيئًا مُؤَقَّتًا لِمُدَّةِ حَيَاةِ الرَّسُولِ الْمُرْسَلِ بِهَا فَإِذَا تُوُفِّيَ ارْتَفَعَتِ الشَّرِيعَةُ كَشَرِيعَةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَشَرِيعَةِ يُوسُفَ وَشَرِيعَةِ شُعَيْبٍ قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) [غَافِر: 34] وَبَقِيَ النَّاسُ فِي فَتْرَةٍ وَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ الِاهْتِدَاءَ أَنْ يَتَّبِعَ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ أَوْ بَعْضَهَا كَمَا كَانُوا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا جَاءَتْ شَرِيعَةٌ بَعْدَهَا فَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ بِنَاسِخَةٍ لِلْأُولَى فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهَا نَسْخٌ يُخَيَّرُ النَّاسُ فِي مُتَابَعَتِهَا الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي زَمَنِ الفترة كَمَا إِذا كَانَتْ عَبْسٌ مَثَلًا يَجُوزُ لَهَا اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ بِشَرِيعَتِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُهُ.

الثَّانِي أَنْ تَجِيءَ شَرِيعَةٌ لِقَوْمٍ مَأْمُورِينَ بِالدَّوَامِ عَلَيْهَا كَشَرْعِ مُوسَى ثُمَّ تَجِيءُ بَعْدَهَا شَرِيعَةٌ لَيْسَتْ رَافِعَةً لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِأَسْرِهَا وَلَكِنَّهَا تَرْفَعُ بَعْضَ أَحْكَامِهَا وَتُثَبِّتُ بَعْضًا كَشَرِيعَةِ عِيسَى فَهَذِهِ شَرِيعَةٌ نَاسِخَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَنْسَخُ بَعْضًا وَتُفَسِّرُ بَعْضًا، فَالْمَسِيحُ رَسُولٌ نَسَخَ بَعْضَ التَّوْرَاةِ وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَى نَسْخِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبَاقٍ عَلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ فَهُوَ فِي مُعْظَمِهَا مُبَيِّنٌ وَمُذَكِّرٌ وَمُفَسِّرٌ كَمَنْ سَبَقَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلِ أَشْعِيَاءَ وَأَرْمِيَاءَ وَزَكْرِيَاءَ الْأَوَّلِ وَدَانْيَالَ وَأَضْرَابِهِمْ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا النَّوْعُ نَسْخَ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِكَوْنِهِ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ ثَانٍ.

الثَّالِثُ مَجِيءُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ تُبْطِلُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى إِبْطَالًا عَامًّا بِحَيْثُ تُعَدُّ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ بَاطِلَةً سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا بِشَيْءٍ يُخَالِفُ مَا فِي الْأُولَى أَمْ فِيمَا سَكَتَتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ رَفَعَ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ فِيمَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْإِسْلَامُ فِيهِ بِشَيْءٍ بَلْ يَأْخُذُ أَحْكَامَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ نَاظِرٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الْأَنْعَام: 90] .

وَقَوْلُهُ: (أَوْ نُنْسِها) قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ (نُنْسِهَا) بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءٍ.

وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو (نَنْسَأْهَا) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ فَعَلَى قِرَاءَةِ تَرْكِ الْهَمْزِ فَهُوَ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ أَيْ نُنْسِ النَّاسَ إِيَّاهَا وَذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِ قِرَاءَتِهَا حَتَّى يَنْسَاهَا الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْهَمْزِ فَالْمَعْنَى أَوْ نُؤَخِّرُهَا أَيْ نُؤَخِّرُ تِلَاوَتَهَا أَوْ نُؤَخِّرُ الْعَمَلَ بِهَا وَالْمُرَادُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِقِرَاءَتِهَا أَوْ بِحُكْمِهَا

فَكُنِّيَ عَنْهُ بالنسء وَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ مُقَابِلٌ لِلنَّسْخِ وَهُوَ أَنْ لَا يُذَكِّرَ الرَّسُولُ النَّاسَ بِالْعَمَلِ بِحُكْمٍ مَشْرُوعٍ وَلَا يَأْمُرُ مَنْ يَتْرُكُهُ بِقَضَائِهِ حَتَّى يَنْسَى النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَائِمًا لَمَا سَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ إِعَادَةِ الْأَمْرِ بِهِ وَلَمَا أُقِرَّ تَارِكُهُ عِنْدَ مُوجِبِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ أَجِدْ لِهَذَا مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ وَنَظِيرُهُ

فِي السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»

عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.

وَمَعْنَى النَّسْءِ مُشْعِرٌ بِتَأْخِيرٍ يَعْقُبُهُ إِبْرَامٌ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى بَقَاءُ الْحُكْمِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخٍ أَوْ بَقَاءُ الْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ.

أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ إِنْسَاءَ الْآيَةِ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ مَجِيئِهَا مَعَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْمَفْرُوضَةُ فِي نَسْخِ حُكْمٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَتَأَتَّى فِي نَسْخِ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ وَإِنْسَائِهَا أَوْ نَسْئِهَا.

وَقَوْلُهُ: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) جَوَابُ الشَّرْطِ وَجَعْلُهُ جَوَابًا مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَهُمَا النَّسْخُ وَالْإِنْسَاءُ أَوِ النَّسْءُ لَا يُفَارِقَانِ حَالَيْنِ وَهُمَا الْإِتْيَانُ فِي وَقْتِ النَّسْخِ وَوَقْتِ الْإِنْسَاءِ بِشَيْءٍ هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسِيِّ أَوِ الْمَنْسُوءِ أَوْ مِثْلِهِ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْخِ هُوَ النَّاسِخُ مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ الْإِنْسَاءِ مِنَ النِّسْيَانِ هُوَ النَّاسِخُ أَيْضًا مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ هُوَ مَا يَجِيءُ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرُ نَاسِخٍ وَلَكِنَّهُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ يَنْزِلُ بَعْدَ الْآخَرِ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْءِ أَيِ التَّأْخِيرِ هُوَ مَا يُقَارِنُ الْحُكْمَ الْبَاقِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ النَّازِلَةِ فِي مُدَّةِ عَدَمِ النَّسْخِ.

وَقَدْ أَجْمَلْتُ جِهَةَ الْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ فَتَجِدُهُ مُرَادًا إِذِ الْخَيْرِيَّةُ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِمَالُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَصْلَحَةَ النَّاسِ، أَوْ مَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَضَرَّةً، أَوْ مَا فِيهِ جَلْبُ عَوَاقِبَ حَمِيدَةٍ، أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ، أَوْ مَا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُكَلَّفِينَ وَرَحْمَةٌ بِهِمْ فِي مَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُمْ عَلَى الشِّدَّةِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَصْلَحَةً.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ فِي حَالَاتِ النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ أَوِ النَّسْءِ هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْخَيْرِ وَالْمِثْلِ مَعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنْهُمَا لَا تَخْلُو مِنَ الِاشْتِمَالِ عَلَى الْخَيْرِ مِنْهَا أَوِ الْمِثْلِ لَهَا فَلِذَلِكَ جِيءَ بَأَوْ فِي قَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فَهِيَ مُفِيدَةٌ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مَعَ جَوَازِ الْجَمْعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت