(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111)
وَافْتُتِحَتِ الْجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ، الْمُتَضَمِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فَاتِحَةُ التَّحْرِيضِ عَلَى الْجِهَادِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ وَتَمْثِيلِهِمْ بِحَالِ مَنْ يُسْتَنْهَضُ لِعَمَلٍ فَيَتَثَاقَلُ إِلَى الْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) [التَّوْبَة: 38] نَاسَبَ أَنْ يُنْزَلَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْزِلَةَ الْمُتَرَدِّدِ الطَّالِبِ فِي كَوْنِ جَزَاءِ الْجِهَادِ اسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ.
وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لِإِفَادَتِهَا مَعْنَى الْمُضِيِّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَنَّهُمْ كَالَّذِينَ نَسُوهُ أَوْ تَنَاسَوْهُ حِينَ لَمْ يَخِفُّوا إِلَى النَّفِيرِ الَّذِي اسْتُنْفِرُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْوَعْدَ بِذَلِكَ قَدِيمٌ مُتَكَرِّرٌ مَعْرُوفٌ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
وَالِاشْتِرَاءُ: مُسْتَعَارٌ لِلْوَعْدِ بِالْجَزَاءِ عَنِ الْجِهَادِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) بِمُشَابَهَةِ الْوَعْدِ الِاشْتِرَاءَ فِي أَنَّهُ إِعْطَاءُ شَيْءٍ مُقَابِلَ بَذْلٍ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ.
وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْبَاءِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الثَّمَنِ فِي صِيَغِ الِاشْتِرَاءِ أُدْخِلَتْ هُنَا فِي بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لِمُشَابَهَةِ هَذَا الْوَعْدِ الثَّمَنَ.
وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلٌ إِذْ لَيْسَ ثَمَّةَ هَيْئَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَأُخْرَى مُشَبَّهٌ بِهَا.
وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَظْهَرِ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَاللَّامُ فِي (لَهُمُ الْجَنَّةَ) لِلْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَالْمَجْرُورُ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: بِتَحْقِيقِ تَمَلُّكِهِمُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِالْجَنَّةِ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَمَّا كَانَ آجِلًا كَانَ هَذَا الْبَيْعُ مِنْ جِنْسِ السَّلَمِ.
(يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
قَالَ الطِّيبِيُّ: «فَقَوْلُهُ (يُقاتِلُونَ) بَيَانٌ، لِأَنَّ مَكَانَ التَّسْلِيمِ هُوَ الْمَعْرَكَةُ، لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ سَلَمٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ وَلَمْ يَقُلْ بِالْجَنَّةِ.
وَأُتِيَ بِالْأَمْرِ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ ثُمَّ أَلْزَمَ اللَّهُ الْبَيْعَ مِنْ جَانِبِهِ وَضَمِنَ إِيصَالَ الثَّمَنِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) أَيْ لَا إِقَالَةَ وَلَا اسْتِقَالَةَ مِنْ حَضْرَةِ الْعِزَّةِ.
ثُمَّ مَا اكْتَفَى بِذَلِكَ بَلْ عَيَّنَ الصُّكُوكَ الْمُثْبَتَ فِيهَا هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ وَهِيَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ» اهـ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (فَيَقْتُلُونَ) بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَمَا بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْعَكْسِ.
وَفِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ اهْتِمَامٌ بِجِهَادِهِمْ بِقَتْلِ الْعَدُوِّ، وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى اهْتِمَامٌ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ أَدْخَلُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجَنَّةِ.
وَجُمْلَةُ: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)
الِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ بِتَنْزِيلِ السَّامِعِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا الْوَعْدَ مُحْتَمِلًا لِلْوَفَاءِ وَعَدَمِهِ كَغَالِبِ الْوُعُودِ فَيُقَالُ: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ إِنْكَارًا عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ اسْمُ الْجَلَالَةِ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِهِ لِإِحْضَارِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَالْعَهْدُ: الْوَعْدُ بِحلف والوعد الْمُؤَكّد، وَالْبَيْعَةُ عَهْدٌ، وَالْوَصِيَّةُ عَهْدٌ.
وَتَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِ الْوَعْدِ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ كُلِّ وَاعِدٍ، أَنْ يَسْتَبْشِرَ الْمُؤْمِنُونَ بِبَيْعِهِمْ هَذَا، فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَأُضِيفَ الْبَيْعُ إِلَى ضَمِيرِهِمْ إِظْهَارًا لِاغْتِبَاطِهِمْ بِهِ.
وَوَصْفُهُ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى بِبَيْعِكُمُ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ.
وَجُمْلَةُ: (وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) تَذْيِيلٌ جَامِعٌ، فَإِنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْوَاقِعَ فِي أَوَّلِهِ جَامِعٌ لِصِفَاتِ ذَلِكَ الْبَيْعِ بِعِوَضَيْهِ.
وَأُكِّدَ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَبِالْجُمْلَةِ الاسمية وَالْوَصْف بِـ (الْعَظِيمُ) الْمُفِيد للأهمية.