(يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)
وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: (مِنَ الصَّواعِقِ) لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ الصَّوَاعِقِ إِذِ الصَّوَاعِقُ هِيَ عِلَّةُ جَعْلِ الْأَصَابِعِ فِي الْآذَانِ وَلَا ضَيْرَ فِي كَوْنِ الْجَعْلِ لِاتِّقَائِهَا حَتَّى يُقَالَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ نَحْوَ تَرْكٍ وَاتِّقَاءٍ إِذْ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ.
وَمِنْ بَدِيعِ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّهُ مَعَ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ مَجْمُوعِ الْهَيْئَةِ الْمُرَكَّبَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا حَالُ الْمُنَافِقِينَ حِينَ مُنَازَعَةِ الْجَوَاذِبِ لِنُفُوسِهِمْ مِنْ جَوَاذِبِ الِاهْتِدَاءِ وَتَرْقُبِهَا مَا يُفَاضُ عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ وَإِرْشَادِهِ مَعَ جَوَاذِبِ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَذَبِّهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَعْلَقَ بِهَا ذَلِكَ الْإِرْشَادُ حِينَمَا يَخْلُونَ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ، هُوَ مَعَ ذَلِكَ قَابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ فِي مُفْرَدَاتِهِ إِلَى تَشَابِيهَ مُفْرَدَةٍ بِأَنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ مَجْمُوعِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ لِجُزْءٍ مِنْ مَجْمُوعِ هَيْئَةِ قَوْمٍ أَصَابَهُمْ صَيِّبٌ مَعَهُ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَصَوَاعِقُ لَا يُطِيقُونَ سَمَاعَ قَصْفِهَا وَيَخْشَوْنَ الْمَوْتَ مِنْهَا وَبَرْقٌ شَدِيدٌ يَكَادُ يَذْهَبُ بِأَبْصَارِهِمْ وَهُمْ فِي حَيْرَةٍ بَيْنَ السَّيْرِ وَتَرْكِهِ.
وَ (كُلَّمَا) كَلِمَةٌ تُفِيدُ عُمُوم مدخولها، و (مَا) كَافَّةٌ لِكُلٍّ عَنِ الْإِضَافَةِ أَوْ هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ فَالْعُمُومُ فِيهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلِمَةِ (كُلٍّ) .
وَذِكْرُ (كُلَّمَا) فِي جَانِبِ الْإِضَاءَةِ وَ (إِذَا) فِي جَانِبِ الْإِظْلَامِ لِدَلَالَةِ (كُلَّمَا) عَلَى حِرْصِهِمْ عَلَى الْمَشْيِ وَأَنَّهُمْ يَتَرَصَّدُونَ الْإِضَاءَةَ فَلَا يُفِيتُونَ زَمَنًا مِنْ أَزْمَانِ حُصُولِهَا لِيَتَبَيَّنُوا الطَّرِيقَ فِي سَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) مَفْعُولُ (شَاءَ) مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ شَأْنُ فِعْلِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِهِمَا إِذَا وَقَعَ مُتَّصِلًا بِمَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَدُلَّ عَلَى مَفْعُولِهِ مِثْلَ وُقُوعِهِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ يَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ نَحْوَ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ أَيْ مَا شَاءَ كَوْنَهُ كَانَ وَمِثْلَ وُقُوعِهِ شَرْطًا لِلَوْ لِظُهُورِ أَنَّ الْجَوَابَ هُوَ دَلِيلُ الْمَفْعُولِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ قَبْلَ فِعْلِ الْمَشِيئَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَفْعُولِ الْفِعْلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ) [الْأَعْلَى: 6، 7]
فَالْمَعْنَى لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ بِزِيَادَةِ مَا فِي الْبَرْقِ وَالرَّعْدِ مِنَ الْقُوَّةِ فَيُفِيدُ بُلُوغَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ قُرْبَ غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَيَكُونُ لِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مَوْقِعٌ عَجِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تَذْيِيلٌ، وَفِيهِ تَرْشِيحٌ لِلتَّوْجِيهِ الْمَقْصُودِ لِلتَّهْدِيدِ زِيَادَةً فِي تَذْكِيرِهِمْ وَإِبْلَاغًا لَهُمْ وَقَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.