فهرس الكتاب
(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18)
وَالْقَاهِرُ الْغَالِبُ الْمُكْرِهُ الَّذِي لَا يَنْفَلِتُ مِنْ قُدْرَتِهِ مِنْ عُدِّيَ إِلَيْهِ فِعْلُ الْقَهْرِ.
وَقَدْ أَفَادَ تَعْرِيف الجزأين الْقَصْرَ، أَيْ لَا قَاهِرَ إِلَّا هُوَ، لِأَنَّ قَهْرَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْقَهْرُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَقْهُورُ مِنْهُ مَلَاذًا، لِأَنَّهُ قَهْرٌ بِأَسْبَابٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ خَلْقَ مَا يُدَافِعُهَا.
وَمِمَّا يُشَاهَدُ مِنْهَا دَوْمًا النَّوْمُ وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ.
سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الْعِبَادَ بِالْمَوْتِ.
والعباد: هُمُ الْمَخْلُوقُونَ مِنَ الْعُقَلَاءِ، فَلَا يُقَالُ لِلدَّوَابِّ عِبَادُ اللَّهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ جَمْعُ عَبْدٍ لَكِنَّ الِاسْتِعْمَالَ خَصَّهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَخَصَّ الْعَبِيدَ بِجَمْعِ عَبْدٍ بِمَعْنَى الْمَمْلُوكِ.
وَمَعْنَى الْقَهْرِ فَوْقَ الْعِبَادِ أَنَّهُ خَالِقُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدَرِهِمْ بِحَيْثُ يُوجِدُ مَا لَا يُرِيدُونَ وُجُودَهُ كَالْمَوْتِ، وَيَمْنَعُ مَا يُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ كَالْوَلَدِ لِلْعَقِيمِ وَالْجَهْلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أُمُورًا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهَا وَأُمُورًا لَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهَا وَأُمُورًا يَفْعَلُهَا تَارَةً وَلَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهَا تَارَةً، كَالْمَشْيِ لِمَنْ خَدِرَتْ رِجْلُهُ فَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الْقُدَرِ وَالِاسْتِطَاعَاتِ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُهَا، وَلِأَنَّهُ يَخْلُقُ مَا يَخْرُجُ عَنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ، ثُمَّ يَقِيسُ الْعَقْلُ عَوَالِمَ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ.
وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْعَنَاصِرَ وَالْقُوَى وَسَلَّطَ بَعْضَهَا عَلَى بعض فَلَا يَسْتَطِيع الْمُدَافَعَةَ إِلَّا مَا خَوَّلَهَا اللَّهُ.