(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ(191)
وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُكَمِّلَةً لَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ قَتْلٌ خَاصٌّ غَيْرُ قِتَالِ الْوَغَى فَحَصَلَتِ الْمُغَايِرَةُ الْمُقْتَضِيَةُ الْعَطْفَ، وَلِذَلِكَ قَالَ هُنَا (وَاقْتُلُوهُمْ) وَلَمْ يَقُلْ: وَقَاتِلُوهُمْ مِثْلَ الْآيَةِ قَبْلَهَا تَنْبِيهًا عَلَى قَتْلِ الْمُحَارِبِ وَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْعُثُورِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُبَاشِرٍ لِلْقِتَالِ وَأَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مُحَارِبًا فَهُوَ قَاتِلٌ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاقْتُلُوهُمْ) تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِذْنِ بِقَتْلِهِمْ حِينَئِذٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ اشْتِبَاكٍ مَعَهُمْ بِقِتَالٍ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ مِنْ أَنْ يَتَّخِذُوا حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسِيلَةً لَهَزْمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (فَاقْتُلُوهُمْ) لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْقَتْلَ بِدُونِ قِتَالٍ وَالْقَتْلَ بِقِتَالٍ.
وَقَوْلُهُ: (كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) الْإِشَارَة إِلَى الْقَتْلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: (فَاقْتُلُوهُمْ) أَيْ كَذَلِكَ الْقَتْلُ جَزَاؤُهُمْ عَلَى حَدِّ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [الْبَقَرَة: 143] وَنُكْتَةُ الْإِشَارَةِ تَهْوِيلُهُ أَيْ لَا يَقِلُّ جَزَاءُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْقَتْلِ وَلَا مَصْلَحَةٌ فِي الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ (كَذلِكَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمَامِ وَلَيْسَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [الْبَقَرَة: 190] لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ لَيْسَتْ جَزَاءً إِذْ لَا انْتِقَامَ فِيهَا بَلِ الْقِتَالٌ سِجَالٌ يَوْمًا بِيَوْمٍ.