فهرس الكتاب

الصفحة 1147 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 253]

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253)

وَالْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُرْسَلِينَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) .

وَجِيءَ بِالْإِشَارَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِحْضَارِ حَتَّى كَأَنَّ جَمَاعَةَ الرُّسُلِ حَاضِرَةٌ لِلسَّامِعِ بَعْدَ مَا مَرَّ مِنْ ذِكْرِ عَجِيبِ أَحْوَالِ بَعْضِهِمْ وَمَا أَعْقَبَهُ مِنْ ذِكْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ.

وَقُرِنَ اسْمُ الْإِشَارَةِ بِكَافِ الْبُعْدِ تَنْوِيهًا بِمَرَاتِبِهِمْ كَقَوْلِهِ: (ذلِكَ الْكِتابُ) [الْبَقَرَة: 2] .

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَمْجِيدُ سُمْعَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَتَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَاتِهِ الْفِئَةَ الطَّيِّبَةَ مَعَ عَظِيمِ شَأْنِهَا قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْمُصْلِحَةِ لِلْبَشَرِ وَمِنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَمَا لَقُوهُ مِنَ الْأَذَى فِي سَبِيلِ ذَلِكَ، وَمَا أُيِّدُوا بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْعَظِيمَةِ الْمُتَفَاوِتَةِ فِي هُدَى الْبَشَرِ، وَفِي عُمُومِ ذَلِكَ الْهُدَى وَدَوَامِهِ، وَإِذَا

كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»

فَمَا بَالُكَ بِمَنْ هَدَى اللَّهُ بِهِمْ أُمَمًا فِي أَزْمَانٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الرُّسُلِ.

وَيَتَضَمَّنُ الْكَلَامُ ثَنَاءً عَلَيْهِمْ وَتَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ.

وَقَوْلُهُ: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَعْضِ هُنَا وَاحِدًا مِنَ الرُّسُلِ مُعَيَّنًا لَا طَائِفَةً، وَتَكُونَ الدَّرَجَاتُ مَرَاتِبَ مِنَ الْفَضِيلَةِ ثَابِتَةً لِذَلِكَ الْوَاحِدِ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَعْضِ جَمَاعَةً مِنَ الرُّسُلِ مُجْمَلًا، وَمِنَ الدَّرَجَاتِ دَرَجَاتٍ بَيْنَهُمْ لَصَارَ الْكَلَامُ تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بَعْضٌ فُضِّلَ عَلَى بَعْضٍ لَقَالَ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) [الْأَنْعَام: 165] .

وَعَلَيْهِ فَالْعُدُولُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ أَوْ بِالْوَصْفِ الْمَشْهُورِ بِهِ لِقَصْدِ دَفْعِ الِاحْتِشَامِ عَنِ الْمُبَلِّغِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالْبَعْضِ عَنِ النَّفْسِ كَمَا فِي قَوْلِ لَبِيدٍ:

تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

أَرَادَ نَفْسَهُ.

وَهَذَا إِعْلَامٌ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَعَدَمِ تَعْيِينِ الْفَاضِلِ مِنَ الْمَفْضُولِ: ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اشْتَرَكُوا فِي صِفَةِ خَيْرٍ لَا يَخْلُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ بِمَا لِلْبَعْضِ مِنْ صِفَاتِ كَمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ، وَفِي تَمْيِيزِ صِفَاتِ التَّفَاضُلِ غُمُوضٌ، وَتَطَرُّقٌ لِتَوَقُّعِ الْخَطَأِ وَعُرُوضٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسَهْلٍ عَلَى الْعُقُولِ الْمُعَرَّضَةِ لِلْغَفْلَةِ وَالْخَطَأِ.

فَإِذَا كَانَ التَّفْضِيلُ قَدْ أَنْبَأَ بِهِ رَبُّ الْجَمِيعِ، وَمَنْ إِلَيْهِ التَّفْضِيلُ، فَلَيْسَ مِنْ قَدْرِ النّاس أَن يتصدّوا لِوَضْعِ الرُّسُلِ فِي مَرَاتِبِهِمْ، وَحَسْبُهُمُ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.

وَهَذَا مَوْرِدُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»

يَعْنِي بِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ التَّفْصِيلِيِّ، بِخِلَافِ التَّفْضِيلِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، كَمَا نَقُولُ: الرُّسُلُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا.

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الرُّسُلِ لِمَا تَظَاهَرَ مِنْ آيَاتِ تَفْضِيلِهِ وَتَفْضِيلِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَتَفْضِيلِ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

وَهِيَ مُتَقَارِنَةُ الدَّلَالَةِ تَنْصِيصًا وَظُهُورًا.

إِلَّا أَنَّ كَثْرَتَهَا تُحَصِّلُ الْيَقِينَ بِمَجْمُوعِ مَعَانِيهَا عَمَلًا بِقَاعِدَةِ كَثْرَةُ الظَّوَاهِرِ تُفِيدُ الْقَطْعَ.

وَأَعْظَمُهَا آيَةُ (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) [آل عمرَان: 81] الْآيَةَ.

وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «أَنَا» نَفْسَهُ عَلَى أَرْجَحِ الِاحْتِمَالَيْنِ،

وَقَوْلُهُ: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى»

فَذَلِكَ صَدَرَ قَبْلَ أَنْ يُنْبِئَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَهُ.

وَقَدْ عَطَفَ مَا دَلَّ عَلَى نَبِيئِنَا عَلَى مَا دَلَّ عَلَى موسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِمَا، لِأَنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْسَعُ الشَّرَائِعِ، مِمَّا قَبْلَهَا، بِخِلَافِ شَرِيعَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

(وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)

وَإِنَّمَا وُصِفَ عِيسَى بِهَذَيْنِ مَعَ أَنَّ سَائِرَ الرُّسُلِ أُيِّدُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ، لِلرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوْا فَزَعَمُوا أُلُوهِيَّتَهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا ذُكِرَ مَعَهُ اسْمُ أُمِّهِ - مَهْمَا ذُكِرَ - لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَهًا، وَعَلَى أَنَّ مَرْيَمَ أَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا صَاحِبَةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَذْكُرُ أَسْمَاءَ نِسَائِهَا وَإِنَّمَا تَكْنِي، فَيَقُولُونَ رَبَّةُ الْبَيْتِ، وَالْأَهْلُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا يَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ النِّسَاءِ إِلَّا فِي الْغَزَلِ، أَوْ أَسْمَاءَ الْإِمَاءِ.

وَقَوْلُهُ: (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ جَوَابُ (لَوْ شَاءَ اللَّهُ) وَهُوَ (مَا اقْتَتَلَ) لَكِنْ ذَكَرَ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لَازِمَ الضِّدِّ لِجَوَابِ لَوْ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمَا اقْتَتَلُوا.

وَإِنَّمَا جِيءَ بِلَازِمِ الضِّدِّ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى سَبَبِ الِاقْتِتَالِ لِيَظْهَرَ أَنَّ مَعْنَى نَفْيِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَرْكُهُمُ الِاقْتِتَالَ، هُوَ أَنَّهُ خَلَقَ دَاعِيَةَ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ، فَبِتِلْكَ الدَّاعِيَةِ اخْتَلَفُوا، فَجَرَّهُمُ الْخِلَافُ إِلَى أَقْصَاهُ وَهُوَ الْخِلَافُ فِي الْعَقِيدَةِ، (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) فَاقْتَتَلُوا، لِأَنَّ لُزُومَ الِاقْتِتَالِ لِهَذِهِ الْحَالَةِ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ شَائِعٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت