[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)
وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِبَيَانِ بَعْضِ وَسَائِلِ الْبِرِّ إِيذَانٌ بِأَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ تَدُورُ عَلَى مِحْوَرِ الْبِرِّ، وَأَنَّ الْبِرَّ مَعْنًى نَفْسَانِيٌّ عَظِيمٌ لَا يَخْرِمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَا يُفْضِي إِلَى نَقْضِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الِاسْتِقَامَةِ النَّفْسَانِيَّةِ.
فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَمْرَانِ: أَوَّلُهُمَا التَّحْرِيضُ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالتَّنْوِيهُ بِأَنَّهُ مِنَ الْبِرِّ، وَثَانِيهِمَا التَّنْوِيهُ بِالْبِرِّ الَّذِي الْإِنْفَاقُ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِهِ.
وَمُنَاسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الْآيَةِ تِلْوَ سَابِقَتِهَا أَنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ لَمَّا بَيَّنَتْ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ أَعْظَمُ مَا يُنْفِقُهُ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةَ مَا يَنْفَعُ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ يبلغ بِصَاحِبِهِ إِلَى مَرْتَبَةَ الْبِرِّ، فَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ قَدْ عَلِمَهَا الْفُطَنَاءُ مِنْ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ.
وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ خِطَابٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ مَا يُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ.
وَالْبِرُّ كَمَالُ الْخَيْرِ وَشُمُولُهُ فِي نَوْعِهِ: إِذِ الْخَيْرُ قَدْ يَعْظُمُ بِالْكَيْفِيَّةِ، وَبِالْكَمِّيَّةِ، وَبِهِمَا مَعًا، فَبَذْلُ النَّفْسِ فِي نَصْرِ الدِّينِ يَعْظُمُ بِالْكَيْفِيَّةِ فِي مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ بِالْعَدَدِ الْقَلِيلِ، وَكَذَلِكَ إِنْقَاذُ الْغَرِيقِ فِي حَالَةِ هَوْلِ الْبَحْرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَعَدُّدٌ، وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ يَعْظُمُ بِالتَّعَدُّدِ، وَالْإِنْفَاقُ يَعْظُمُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَالْجَزَاءُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ إِذَا بَلَغَ كَمَالَ الْجَزَاءِ وَشُمُولَهُ كَانَ بَرًّا أَيْضًا.
وَقَدْ جُعِلَ الْإِنْفَاقُ مِنْ نَفْسِ الْمَالِ الْمُحَبِّ غَايَةً لِانْتِفَاءِ نَوَالِ الْبِرِّ، وَمُقْتَضَى الْغَايَةِ أَنَّ نَوَالَ الْبِرِّ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ قَبْلَ الْإِنْفَاقِ مَسَافَاتٍ مَعْنَوِيَّةً فِي الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْبِرِّ، وَتِلْكَ هِيَ خِصَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا بَقِيَتْ غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، وَأَنَّ الْبِرَّ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِنِهَايَتِهَا وَهُوَ الْإِنْفَاقُ مِنَ المحبوب، فَظهر ل (حتّى) هُنَا مَوْقِعٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ لَا يَخْلُفُهَا فِيهِ غَيْرُهَا: لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ إِلَّا أَنْ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، لَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنَ الْمُحَبِّ وَحْدَهُ يُوجِبُ نَوَالَ الْبِرَّ، وَفَاتَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَسَافَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الَّتِي أَشْعَرَتْ بِهَا (حتّى) الغائية.
و (تنالوا) مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوَالِ وَهُوَ التَّحْصِيلُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُعْطَى.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْبِرِّ) تَعْرِيفُ الْجِنْسِ: لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْإِنْفَاقُ الْمَخْصُوصُ، فَبِدُونِهِ لَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ.
وَالْإِنْفَاقُ: إِعْطَاءُ الْمَالِ وَالْقُوتِ وَالْكِسْوَة.
وَقَوْلُهُ: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ تَعْمِيمُ أَنْوَاعِ الْإِنْفَاقِ، وَتَبْيِينُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْمُنْفِقِينَ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ نَفِيسًا بِحَسْبِ حَالِ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) [التَّوْبَة: 79] .