فهرس الكتاب

الصفحة 2743 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام (6) : آيَة 111]

(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ(111)

وَالْحَشْرُ: الْجَمْعُ، وَمِنْهُ: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ) [النَّمْل: 17] .

وَضُمِّنَ مَعْنَى الْبَعْثِ والإرسال فعدّي بـ (على) كَمَا قَالَ تَعَالَى: (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا) [الْإِسْرَاء: 5] .

و (كُلَّ شَيْءٍ) يَعُمُّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا.

لَكِنَّ الْمَقَامَ يُخَصِّصُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا سَأَلُوهُ، أَوْ مِنْ جِنْسِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَالْآيَاتِ، فَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى، فِي رِيحِ عَادٍ (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها) [الْأَحْقَاف: 25] وَالْقَرِينَةُ هِيَ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) .

وَ (مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا) هُوَ أَشَدُّ مِنْ (لَا يُؤْمِنُونَ) تَقْوِيَةً لِنَفْيِ إِيمَانِهِمْ، مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُمْ مُعَانِدُونَ مُكَابِرُونَ غَيْرُ طَالِبِينَ لِلْحَقِّ، لِأَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا الْحَقَّ بِإِنْصَافٍ لَكَفَتْهُمْ مُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ، إِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وُضُوحُ الْحَقِّ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

فَالْمَعْنَى: الْإِخْبَارُ عَنِ انْتِفَاءِ إِيمَانِهِمْ فِي أَجْدَرِ الْأَحْوَالِ بِأَنْ يُؤْمِنَ لَهَا مَنْ يُؤْمِنُ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.

وَالْمَقْصُودُ انْتِفَاءُ إِيمَانِهِمْ أَبَدًا.

وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عُمُومُ نَفْيِ إِيمَانِهِمْ، فَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

وَوَقَعَ إِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ: لِأَنَّ اسْم الْجَلالَة يومئ إِلَى مَقَامِ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مقَام (لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الْأَنْبِيَاء: 23] ، ويومئ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَى حَسَبِ الْحِكْمَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ.

وَالِاسْتِدْرَاكُ بِقَوْلِهِ: (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الْمُقْتَضِي أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ إِذَا شَاءَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ.

وَفِي هَذَا زِيَادَةُ تَنْبِيهٍ إِلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وَقَدْ حَصَلَ إِيمَانُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ.

وَإِسْنَادُ الْجَهْلِ إِلَى أَكْثَرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ عُقَلَاءَ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت