فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 4110

(قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ)

هَذَا جَوَابُ الْمَلَائِكَةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُمْ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَالتَّقْدِيرُ فَقَالُوا عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) [الْبَقَرَة: 34] وَفَصَلَ الْجَوَابَ وَلَمْ يَعْطِفْ بِالْفَاءِ أَوِ الْوَاوِ جَرْيًا بِهِ عَلَى طَرِيقَةٍ مُتَّبَعَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قَالَ زُهَيْرٌ:

قِيلَ لَهُمْ أَلَا ارْكَبُوا أَلَاتَا ... قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ آلَافَا

أَيْ فَارْكَبُوا وَلَمْ يَقُلْ فَقَالُوا.

وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:

قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلْمَى وَإِنْ ... كَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قَالَتْ وَإِنْ

وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْعَاطِفَ فِي أَمْثَالِهِ كَرَاهِيَةَ تَكْرِيرِ الْعَاطِفِ بِتَكْرِيرِ أَفْعَالِ الْقَوْلِ فَإِنَّ الْمُحَاوَرَةَ تَقْتَضِي الْإِعَادَةَ فِي الْغَالِبِ فَطَرَدُوا الْبَابَ فَحَذَفُوا الْعَاطِفَ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ وَرُبَّمَا عَطَفُوا ذَلِكَ بِالْفَاءِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِي مُخَالَفَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ هُوَ الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أُسْبَقْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَسَالِيبِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ.

وَمِمَّا عُطِفَ بِالْفَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ فِي(سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ) [23، 24] وَقَدْ يُعْطَفُ بِالْوَاوِ أَيْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: (فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَخْ فِي(سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ) [32، 33] وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ حِكَايَةَ التَّحَاوُرِ بَلْ قَصْدُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَقْوَالٍ جَرَتْ أَوْ كَانَتِ الْأَقْوَالُ الْمَحْكِيَّةُ مِمَّا جَرَى فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ.

وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [غَافِر: 25] إِلَى قَوْلِهِ: (وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى) [26] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ) [27] ثُمَّ قَالَ: (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [28] (الْآيَةَ فِي (سُورَةِ غَافِرٍ.

وَالِاسْتِفْهَامُ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْحِكْمَةُ بِذَلِكَ فَدَلَالَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى ذَلِكَ هُنَا بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ مَعَ تَطَلُّبِ مَا يُزِيلُ إِنْكَارَهُمْ وَاسْتِبْعَادَهُمْ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ بَقَاءُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى حَقِيقَتِهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ الِاسْتِفْهَامَ هُنَا لِمُجَرَّدِ التَّعَجُّبِ، وَالَّذِي أَقْدَمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَرَادَ مِنْهُمْ إِظْهَارَ عِلْمِهِمْ تُجَاهَ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْ كُلِّ مُؤَارَبَةٍ فَلَمَّا نَشَأَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ أَفْصَحَتْ عَنْهُ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى من أَحْوَالهم لَا سِيمَا إِذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِشَارَةِ أَنْ يُبْدِيَ الْمُسْتَشَارُ مَا يَرَاهُ نُصْحًا

وَفِي الْحَدِيثِ: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»

يَعْنِي إِذَا تَكَلَّمَ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ أَمَانَةِ النَّصِيحَةِ.

وَعَبَّرَ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْكَلَامِ وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ وَالتَّعَجُّبُ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْفَسَادُ وَالسَّفْكُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْمِيرِ لِأَنَّهُ إِذَا عُمِّرَ نَقْضَ مَا عَمَّرَهُ.

وَعَطْفُ سَفْكِ الدِّمَاءِ عَلَى الْإِفْسَادِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.

وَتَكْرِيرُ ضَمِيرِ (الْأَرْضِ) لِلِاهْتِمَامِ بِهَا وَالتَّذْكِيرِ بِشَأْنِ عُمْرَانِهَا وَحِفْظِ نِظَامِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْخَلَ فِي التَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِخْلَافِ آدَمَ وَفِي صَرْفِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي الِاسْتِشَارَةِ ائْتِمَارٌ.

وَفِي الْمَجِيءِ بِالصِّلَةِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً دَلَالَةٌ عَلَى تَوَقُّعِ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْإِفْسَادُ وَالسَّفْكُ مِنْ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَإِنَّمَا ظَنُّوا هَذَا الظَّنَّ بِهَذَا الْمَخْلُوقِ مِنْ جِهَةِ مَا اسْتَشْعَرُوهُ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْمَخْلُوقِ الْمُسْتَخْلَفِ بِإِدْرَاكِهِمُ النُّورَانِيِّ لِهَيْئَةِ تَكْوِينِهِ الْجَسَدِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةِ إِمَّا بِوَصْفِ اللَّهِ لَهُمْ هَذَا الْخَلِيفَةَ أَوْ بِرُؤْيَتِهِمْ صُورَةَ تَرْكِيبِهِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ تَرْكِيبٌ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْجِبِلَّةِ إِلَى الِاكْتِسَابِ وَعَنِ الِامْتِثَالِ إِلَى الْعِصْيَانِ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَاهِيَةٍ وَغَاضِبَةٍ وَعَاقِلَةٍ وَمِنْ مَجْمُوعِهَا وَمَجْمُوعِ بَعْضِهَا تَحْصُلُ تَرَاكِيبُ مِنَ التَّفْكِيرِ نَافِعَةٌ وَضَارَّةٌ، ثُمَّ إِنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي فِي الْجَوَارِحِ تَسْتَطِيعُ تَنْفِيذَ كُلِّ مَا يَخْطُرُ لِلْعَقْلِ وَقُوَاهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ إِنَّ النُّطْقَ يَسْتَطِيعُ إِظْهَارَ خِلَافِ الْوَاقِعِ وَتَرْوِيجَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَمِنْ أَحْوَالِهِ أَيْضًا صَلَاحٌ عَظِيمٌ وَإِنَّ طَبِيعَةَ اسْتِخْدَامِ ذِي الْقُوَّةِ لِقُوَاهُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي بِكُلِّ مَا تَصْلُحُ لَهُ هَذِهِ الْقُوَى خَيْرُهَا وَشَرُّهَا فَيَحْصُلُ فِعْلٌ مُخْتَلَطٌ مِنْ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ، وَمُجَرَّدُ مُشَاهَدَةِ الْمَلَائِكَةِ لِهَذَا الْمَخْلُوقِ الْعَجِيبِ الْمُرَادِ جَعْلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كَافٍ فِي إِحَاطَتِهِمْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ الصِّفَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا سَيَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْخَارِجِ لِأَنَّ مَدَارِكَهُمْ غَايَةٌ فِي السُّمُوِّ لِسَلَامَتِهَا مِنْ كُدْرَاتِ الْمَادَّةِ، وَإِذَا كَانَ أَفْرَادُ الْبَشَرِ يَتَفَاوَتُونَ فِي الشُّعُورِ بِالْخَفِيَّاتِ، وَفِي تَوَجُّهِ نُورَانِيَّةِ النُّفُوسِ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ، وَفِي التَّوَسُّمِ وَالتَّفَرُّسِ فِي الذَّوَاتِ بِمِقْدَارِ تَفَاوُتِهِمْ فِي صِفَاتِ النَّفْسِ جِبِلِّيَّةً وَاكْتِسَابِيَّةً وَلَدُنِّيَّةً الَّتِي أَعْلَاهَا النُّبُوَّةُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالنُّفُوسِ الْمَلَكِيَّةِ الْبَحْتَةِ؟

وَفِي هَذَا مَا يُغْنِيكَ عَمَّا تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ وَجْهِ اطِّلَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صِفَاتِ الْإِنْسَانِ قَبْلَ بُدُوِّهَا مِنْهُ مِنْ تَوْقِيفٍ وَاطِّلَاعٍ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ أَيْ عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى أُمَّةٍ تَقَدَّمَتْ وَانْقَرَضَتْ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى الْوُحُوشِ الْمُفْتَرِسَةِ إِذْ كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كَمَا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ.

وَبِهِ أَيْضًا تَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ الْمَلَائِكَةِ هَذَا عَلَى مَا يَتَوَقَّعُ هَذَا الْخَلْقُ مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يُلَاحَظْ فِيهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ صُدُورِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ بِمَا يَصْلُحُونَ لَهُ بِالْقُوَّةِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ هَذَا عَلَى بَنِي آدَمَ دُونَ آدَمَ حَيْثُ لَمْ يُفْسِدُ، لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ غَفْلَةً عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْبَيَانِ.

وَأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (مَنْ يُفْسِدُ) (وَيَسْفِكُ) لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ دُونَ الدَّوَامِ أَيْ مَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْفَسَادُ تَارَةً وَسَفْكُ الدِّمَاءِ تَارَةً لِأَنَّ الْفَسَادَ وَالسَّفْكَ لَيْسَا بِمُسْتَمِرَّيْنِ مِنَ الْبَشَرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت