فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 142]

(سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِبْلَةِ الْمُحَوَّلَةِ الْقِبْلَةُ الْمَنْسُوخَةُ وَهِيَ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَعْنِي الشَّرْقَ وَهِيَ قِبْلَةُ الْيَهُودِ.

وَوَجْهُ فَصْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَمَّا قَبْلَهَا بِدُونِ عَطْفٍ، اخْتِلَافُ الْغَرَضِ عَنْ غَرَضِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ فَهِيَ اسْتِئْنَافٌ مَحْضٌ لَيْسَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.

وَالْأَوْلَى بَقَاءُ السِّينِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ إِذْ لَا دَاعِيَ إِلَى صَرْفِهِ إِلَى مَعْنَى الْمُضِيِّ وَقَدْ عَلِمْتُمُ الدَّاعِيَ إِلَى الْإِخْبَارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مِنْهُمْ.

وَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» «فَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرَابِ إِذَا وَقَعَ وَأَنَّ الْجَوَابَ الْعَتِيدَ قَبْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَقْطَعُ لِلْخَصْمِ وَأَرَدُّ لِشَغْبِهِ»

وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الْمُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الْمَاضِي لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِمْرَارِهِمْ فِيهِ، وَقَالَ الْفَخْرُ إِنَّهُ مُخْتَارُ الْقَفَّالِ.

وَكَأَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَعَ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا تَكَلُّفٌ يَنْبَغِي عَدَمُ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ أَقْوَالِهِمُ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ... فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) [الْإِسْرَاء: 51]

وَإِذَا كَانَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ثُبُوتُ أَنَّهُمْ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَشُيُوعُ ذَلِكَ كَانَ لِتَأْوِيلِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَكَانَ فِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) [الْبَقَرَة: 115] - وَقَوْلِهِ: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى) [الْبَقَرَة: 120] .

وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ سَفُهَ بِضَمِّ الْفَاءِ إِذَا صَارَ السَّفَهُ لَهُ سَجِيَّةً، وَفَائِدَةُ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنَ النَّاسِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى بُلُوغِهِمُ الْحَدَّ الْأَقْصَى مِنَ السَّفَاهَةِ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِي النَّاسِ سُفَهَاءُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَإِذَا قُسِمَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ أَصْنَافًا كَانَ هَؤُلَاءِ صِنْفَ السُّفَهَاءِ فَيُفْهَمُ أَنَّهُ لَا سَفِيهَ غَيْرُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ سَفِيهٌ سَوَاءٌ كَانَ الْقَائِلُ الْيَهُودَ أَوِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: (مَا وَلَّاهُمْ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْرِيضِ بِالتَّخْطِئَةِ وَاضْطِرَابِ الْعَقْلِ.

وَالْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ فِي قَوْلِهِ: (عَنْ قِبْلَتِهِمُ) الْجِهَةُ الَّتِي يُوَلُّونَ إِلَيْهَا وُجُوهَهُمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَأَخْبَارُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ.

وَإِضَافَةُ الْقِبْلَةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَزِيدِ اخْتِصَاصِهَا بِهِمْ إِذْ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْمُصَلِّينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَقْبِلُونَ فِي صَلَاتِهِمْ.

وَهَذَا مِمَّا يُعَضِّدُ حَمْلَ «السُّفَهَاءُ» عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمُ الْيَهُودُ لَقِيلَ عَنْ قِبْلَتِنَا إِذْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يُضِيفُوا تِلْكَ الْقِبْلَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ فَسَّرَ «السُّفَهَاءُ» بِالْيَهُودِ وَنَسَبَ إِلَيْهِمُ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَمَلَ الْإِضَافَةَ عَلَى أَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اسْتَقْبَلُوا تِلْكَ الْقِبْلَةَ مُدَّةَ سَنَةٍ وَأَشْهُرٍ فَصَارَتْ قِبْلَةً لَهُمْ.

وَقَوْلُهُ: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) جَوَابٌ قَاطِعٌ مَعْنَاهُ أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهَا مَوَاقِعُ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ فَالْجِهَاتُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبَعًا لِلْأَشْيَاءِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا الْمَمْلُوكَة لَهُ، وَلَيْسَت مُسْتَحِقَّةً لِلتَّوَجُّهِ وَالِاسْتِقْبَالِ اسْتِحْقَاقًا ذَاتِيًّا.

وَذِكْرُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبِ مُرَادٌ بِهِ تَعْمِيمُ الْجِهَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) [الْبَقَرَة: 115]

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الْكِنَايَةَ عَنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا لِأَنَّ اصْطِلَاحَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُقَسِّمُونَ الْأَرْضَ إِلَى جِهَتَيْنِ شَرْقِيَّةٍ وَغَرْبِيَّةٍ بِحَسَبِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِهَا، وَالْمَقْصُودُ أَنْ لَيْسَ لِبَعْضِ الْجِهَاتِ اخْتِصَاصٌ بِقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِهَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ أَمْرُهُ بِاسْتِقْبَالِ بَعْضِ الْجِهَاتِ لِحِكْمَةٍ يُرِيدُهَا كَالتَّيَمُّنِ أَوِ التَّذَكُّرِ فَلَا بِدْعَ فِي التَّوَلِّي لِجِهَةٍ دُونَ أُخْرَى حَسَبَ مَا يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَدْ سَلَكَ فِي هَذَا الْجَوَابِ لَهُمْ طَرِيقَ الْإِعْرَاضِ والتبكيت لِأَن إِنْكَارهم كَانَ عَنْ عِنَادٍ لَا عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ فَأُجِيبُوا بِمَا لَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْحيرَة وَلم تبين لَهُمْ حِكْمَةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَلَا أَحَقِّيَّةُ الْكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبَالِ وَذَلِكَ مَا يَعْلَمُهُ الْمُؤْمِنُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت