فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 967

…قال (( ح ) )قوله «فَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ... » إلى آخره. كذا في [1] الأصول الصحيحة ليس فيه «فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله» فسَاق الكلام على ذلك إلى أن قال وإن كان الإسقاط منه فالجواب عنه ما قال الحافظ أبو محمَّد عليُّ بن أحمد بن سعيد في أجوبةٍ على البخاريِّ ما ملخصه أحسنُ ما يُجاب به هنا أنَّ البخاريَّ قصد أنْ يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثيرٌ مِن النَّاس مِن استفتاح كتبهم بِخُطْبَةٍ تتضمن معاني ما ذهبوا إليه مِن التَّأليف، فكان ابتداؤه بنيَّة ردِّ علمها إلى الله تعالى، فإن علم منه أنَّه أراد الدُّنيا، أو عرض [2] إلى شيء مِن معانيها فسيجزيه نيَّته [3] ، ونكب عن أحد وجهي التَّقسيم مجانبة

ص 6

للتزكية التي لا يناسب ذكرها في هذا المقام.

…قال (( ع ) )فإن قيل لِمَ اختارَ مِنْ هذا الحديث مختصره ولم يذكر مطوَّله هنا؟ قلت لمَّا كان قصده التنبيه على أنَّه قصد به وجه الله تعالى [4] ، وأنَّه سيجزيه بحسب نيتَّه ابتدأ بالمختصر الذي فيه إشارة إلى أنَّ الشخص يُجزى بقدر نيَّته، فإن كانت نيَّته وجه الله تعالى يُجزى بالثواب [5] والخير في الدَّارين، وإن كانت نيَّته وجهًا مِن وجوه الدنيا فليس له حظٌّ مِن الثواب ولا مِن خير الدَّارين، وحذف الجملة الأخرى فرارًا مِن التزكية.

…قال (( ح ) )في الكلام على حديث عائشة «أنَّ الحارث بن هشام سأل ... » هكذا في أكثر الروايات، فَيُحْتَمَلُ أنْ تكونَ عائشةُ حضرت ذلك، وعلى ذلك اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة، ويُحْتَمَلُ أنْ يكون الحارثُ أخبرها بذلك بعد، ويؤيِّد هذا الثاني ما أخرجه أحمد والبَغَويُّ مِن رواية عامر بن صالح الزُّبيري [6] عن هشام فقال عن أبيه عن عائشة عن الحارث قال سألت.

…قال (( ع ) )قال بعض الشَّارحين هذا الحديث أدخله الْحُفَّاظ في مسند عائشة دون الحارث. قلت أدخله الإمام أحمد في مسند الحارث بن هشام، فإنَّه رواه عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال سألت.

…قلت فأخذ الكلام فبالغ حتَّى نسبه إلى نفسه حتَّى قال «قلت» ، ونظيره.

…قال (( ح ) )في الكلام على حديث عائشة في بَدْءِ الوحي «يخلو بغار حراء فيتحنَّث» ، هي بمعنى

ص 7

يتحنَّف، أي يتَّبع الحَنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تُبدل ثاءً في كثير مِن كلامهم.

…وقد وقع في رواية ابن هشام في «السيرة» يتحنَّف بالفاء، والمراد [7] بقوله «يتحنَّث» يلقي عنه الحنث، وهو الإثم كما [8] قالوا تأثَّم وتحرَّج، أي فعل فعلًا ألقى عنه الفعل والتحرُّج ونحو ذلك، فقال في كلام طويل نقله مِن كلام ابن بطَّالٍ والكِرْمَانيِّ وغيرهما مِن شرَّاح البخاري.

…وقال التَّيْمي هذا مِن المُشكلات، ولا يهتدي إليه إلَّا الحُذَّاق.

…وسُئل ابن الأعرابيِّ عن قوله «يَتَحَنَّثُ» ؟ فقال لا أعرفه، إنَّما هو يتحنَّفُ، مِن الحنيفية دين إبراهيم.

…قال (( ع ) )وقع في «سيرة ابن هشام» يتحنَّف [9] بالفاء.

…قوله وفي حديث ابن عباس «وكان أجود ما يكون»

…قال (( ح ) )هو برفع «أجود» ، إلى أن قال ووجَّه ابن الحَاجب الرَّفع مِن خمسة أوجه.

…قلت ويرجِّحه وروده بغير لفظة «كان» عند المؤلِّف في الصُّوم.

…قال (( ع) بعد أن نقل مِن كلام [10] النَّووي أنه سأل [11] ابن مالك ... إلى آخره.

…قلت مِن جملة مؤكِّدات الرَّفع وروده بدون «كان» في «صحيح البخاري» في كتاب الصوم.

…قوله في حديث أبي سفيان مع هِرَقْلٍ قال «أشراف النَّاس اتَّبعوه أو ضعفاؤهم؟ قلت بل ضعفاؤهم» .

…قال (( ح ) )المراد بالأشراف أهل النَّخوة والتكبُّر منهم، لا كلُّ الأشراف، حتَّى لا يدخل مثل أبي بكر وعمر وحمزة وغيرهم ممَّن أسلم قبل هذا السؤال، فأمَّا ما وقع في رواية ابن إسحاق «تبعه منَّا الضعفاء والمساكين، فأمَّا ذوو [12] الأنساب والشَّرف فما تبعه منهم أحدٌ»

ص 8

فهو محمول على الأغلب.

…قال (( ع ) )قال بعضهم المراد بالأشراف أهل النَّخوة، لا كلُّ الأشراف.

…قلت هذا على الغالب، وإلَّا فقد سبق إلى اتِّباعه أكابرُ وأشرافٌ منهم الصِّدِّيقُ والفاروق وحمزة وغيرهم، وهم أيضًا كانوا أهل النَّخوة.

…قلت فأخذ الكلام فادَّعاه ثمَّ اعترض عليه، فاعتراضه [13] مردود؛ لأنَّه حذف مِن كلامه قوله «والتكبر» ، وبهذه [14] اللَّفظة يندفع اعتراضه لأنَّ أبا بكر ومَن ذُكر معه _وإن كانوا أشرافَ [15] أهلِ النخوة_ لم يكونوا أهل تكبُّر، فالتَّكبُّر محطَّة الفرق بين الفريقين، فحذفها المعترض ليعترض، وهذا ذكرته على سبيل المثال، وإلَّا فقد استعمل مثل هذا في بقيَّة هذا الحديث وفي غيره.

…قوله «فأتوه» .

…قال (( ح ) ) [16] فيه حذفٌ، تقديره أرسل إليهم يلتمَّس منهم المجيء، فجاء الرَّسول بذلك فأتوه، ووقع عند المصنف في الجهاد، أنَّ الرَّسول وجدهم ببعض الشام.

…وفي «الدلائل» لأبي نُعيم تعيين الموضع وهو غزَّة، قال وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسحاق في «المغازي» عن الزُّهْري.

…قال (( ع ) )قوله «فأتوه» تقدير الكلام أرسل في طلب إتيانهم فجاء الرَّسول فطلب إتيانهم فأتوه، ثمَّ قال فإن قلت هم في أيِّ موضعٍ كانوا حتَّى أرسل إليهم؟

…قلت في الجهاد ذكر البخاري من [17] أنَّ الرَّسول وجدهم ببعض الشام، وفي رواية أبي نُعيم في «الدلائل» تعيين الموضع غزَّة، قال وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسحاق في «المغازي» عن الزُّهْري.

…تنبيه

…بيَّن (( ح ) )اختلاف الرُّواة في الألفاظ الواقعة

ص 9

في حديث أبي سفيان مع هِرَقْل على ترتيب الحديث مِن أوَّله إلى آخره، وبيَّن ما خالف [18] بعضهم بعضًا في الأسماء والزِّيادة والنقص وغير ذلك، فجمع (( ع ) ) [19] ذلك كلَّه في مكانٍ واحدٍ، وترجم له بيان اختلاف الروايات فذكرها نقلًا مِن كلام (( ح ) )مُوهِمًا أنَّه مِن تصرُّفه وتتبُّعه.

…وهكذا يصنع في كثيرٍ مِن الأحاديث، وإنَّما نبَّهت على ذلك بطريق الإجمال لتعسُّر تتبُّع ذلك فيحصل المَلَل، وفي الإشارة ما يغني عن الإسهاب فيطول الخطْب والله المستعان.

…قوله «وكان ابن النَّاطور ... » إلى آخره.

…قال (( ح ) )الواو عاطفة، والتَّقدير أنَّه لما انتهى المتن عند قول أبي سفيان «حتَّى أدخل عَلَيَّ الإسلام» قال الزُّهْري بالسند المذكور إليه «وكان ابن الناَّطور ... » إلى آخره، فقصَّة [20] ابن الناَّطور موصولةٌ لا مُعلَّقةٌ كما زعم بعض مَن لا عناية له بهذا الشأن، وكذلك زعم بعض المغاربة فجعلها معطوفةً على قول أبي سفيان، والتَّقدير قال أبو سفيان وكان ابن النَّاطور، وهَذا وإن كان مُحْتَمَلًا عقلًا، فقد بيَّن أبو نُعيم في «دلائل النُّبوَّة» أنَّ الزُّهْري قال لقيتُ ابن النَّاطور في زمن عبد الملك بن مروان فذكر عنه القصَّة.

…ووقع في «سيرة ابن إسحاق» ما يُوهم أنَّها مِن رواية الزُّهْري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبَّاس عن ابن النَّاطور، فإنَّه ساق السَّند إلى ابن عباس قال أصبح [21] هِرَقْل خبيثَ النفس ... فذكر القصَّة بمعناه، والَّذي بدأت به هو الَّذي جزم به الحفاظ [22] وهو ممَّا

ص 10

ينبغي التنبيه عليه.

…قال (( ع ) )قوله (( وكان ابن النَّاطور ) )الواو فيه عاطفة لما قبلها داخلة في سند الزُّهْري، والتَّقدير عن الزُّهْري أخبرني عبيد الله ... إلى آخره.

…ثمَّ قال قال ابن النَّاطور فذكر القصَّة، فذكر قصَّة ابن النَّاطور موصولةً لا معلَّقةً كما توهَّمه بعضهم، وهذا موضوعٌ [23] يحتاج فيه إلى التَّنبيه على هذا، وعلى أنَّ قصَّةَ ابن النَّاطور ليست مرويَّةً بالإسناد المذكور إلى أبي سفيان عنه، وإنَّما هي عن الزُّهْريِّ عنه، وقد بيَّن ذلك أبو نُعَيْمٌ في «دلائل النُّبوَّة» أنَّ الزُّهْري قال لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان.

…قلت فانْظروا وتعجَّبوا، فإنَّ هذا الموضع لم ينبِّه عليه أحدٌ قبلي، وتناوله مِن كتابي، وتصرَّف فيه بالتَّقديم والتَّأخير، وأوْهَم أنَّه مِن تصرُّفه وتنبيهه، والله المستعان.

…قوله «رواه صالح بن كَيْسَان ويُونُس ومَعْمَر» .

…قال (( ح ) )قال الكِرْمَانيُّ يُحتمل ذلك مِن وجهين أن يروي البخاري عن الثَّلاثة بالإسناد المذكور كأنَّهُ قال أخبرنا أبو اليَمَان عن الثَّلاثة عن الزُّهْري، وأن يروي عنهم بطريق آخر، كما أنَّ الزُّهْري يُحتمل أيضًا في رواية الثَّلاثة أن يروي لهم عن عبيد الله عن ابن عبَّاس وأن يروي لهم عن غيره، هذا ما يحتمل اللَّفظ وإن كان الظَّاهر الاتِّحاد.

…قلت هذا الظَّاهر كافٍ لمِن شمَّ أدنى رائحةً مِن علم الإسْناد، والاحتمالات العَقلية المجرَّدة لا مَدْخل لها في هذا الفنِّ، وأمَّا الاحتمال الأوَّل فأشدُّ بُعدًا؛ لأنَّ أبا اليَمَان لم يلحق صالح بن كَيْسَان فإنَّ

ص 11

مولده بعد وفاة صالح ولا سمع مِن يُونُس، ولو كان مِن أهل النَّقل لاطَّلع على كيفيَّة رواية هؤلاء الثَّلاثة لهذا الحديث بخصوصه فاستراح مِن هذا التردُّد.

…وقد أوضحتُ ذلك في كتابي «تغليق التَّعليق» [24] وأُشير إليه هنا إشارةً مُفْهمةً، فرواية صالح أخرجها المؤلِّف في كتاب الجهاد [25] بتمامها إلَّا قصَّة ابن النَّاطور، وكذا أخرجها مسلم.

…ورواية يونس أخرجها المؤلِّف في الجهاد مِن طريق اللَّيث، وفي [26] الاستئذان مِن طريق عبد الله بن مبارك كلاهما عن يونس عن الزُّهْري بسنده بعينه مختصرًا ولم يَسُقْه بتمامه، وساقها الطَّبراني [27] بتمامها مِن طريق عبد الله بن صالح عن اللَّيث وفيها قصَّة ابن الناطور.

…ورواية مَعْمَر ساقها المؤلِّف بتمامها في التفسير.

…والطُّرقُ الثَّلاثةُ عن الزُّهْري عن عُبيد الله عن ابن عباس كرواية أبي اليمان عن شعيب عن الزُّهْري، ولو كان سند الحديث عند هؤلاء عن الزُّهْري عن غير عبد الله لأفضى ذلك إلى الشُّذوذ والاضطراب المانع مِن التَّصحيح، فظهر بطلان الاحْتمالات المذكورة، والله المستعان.

…قال (( ع ) )رواه صالح بن كَيْسان ويونس ومَعْمَر عن الزُّهْري، أي روى الحديث المذكور صالح بن كيسان عن الزُّهْري عن عبيد الله عن ابن عباس، أخرجه البخاري بتمامِه في الجهاد ولم يذكر قصَّة ابن الناطور، وكذا أخرجه مسلم بدونها.

ص 12

وأخرج رواية مسلم [28] في الجهاد مُخْتَصَرَةً مِن طريق اللَّيث.

…وفي الاستئذان مُخْتَصَرَةً مِن طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن يونس عن الزُّهْري بسنده بعينه ولم يَسُقْه بتمامه.

…وقد ساقه الطَّبرانيُّ بتمامه مِن طريق عبد الله بن صالح عن اللَّيث وفيه قصَّة ابن النَّاطور. و أخرج رواية مَعْمَر بتمامها في التَّفسير.

…فقد ظهر لك [29] أنَّ روايات هؤلاء الثَّلاثة عند البخاريِّ عن غير أبي اليَمَان، وأنَّ الزُّهْري إنَّما رواه لأصحابه بسندٍ واحدٍ عن شيخٍ واحدٍ وهو عبيد الله بن عبد الله عن ابْن عباس، كلاهما توهَّمه الكِرْمَانيُّ حيث يقول اعلمْ أنَّ هذه العبارة تحتمل وجهين، فذكر كلامه ثمَّ قال بعده وهذا فاسدٌ مِن وجهين أحدهما أنَّ أبا اليمان لم يَلْحق صالح بن كَيْسان ولا سمع مِن يونس.

…والآخر أنَّه لو احتمل أن يروي الزُّهْري هذا الحديث لهؤلاء الثلاثة عن شيخٍ آخر لكان [30] ذلك اختلافًا قد يُفضي إلى الاضطراب الموجب للضَّعف، وهذا إنَّما نشأ لعدم تحرِّيه [31] في النَّقل واعتماده في هذا الفنِّ على العقل، انتهى كلامه.

…فأخذ الكلام بطوله فقدَّم فيه وأخَّر وأوْهَم أنَّه مِن تصرُّفه وليس كذلك.

…قوله (وقال مجاهد ... ) إلى آخره.

…قال (( ح ) )وصل هذا التَّعليق عبدُ بن حُميدٍ في «تفسيره» ، والمراد أنَّ الذي تظاهرت عليه الأدلة مِن الكتاب والسُّنَّة هو شرع الأنَّبياء كلِّهم.

…تنبيه

قال شيخنا

ص 13

الإمام البُلْقَيني وقع في أصله الصَّحيح في جميع الرِّوايات في أثر مجاهد هذا تصحيف [32] ، قلَّ مَن تعرَّض لبيانه [33] ، وذلك أنَّ لفظ مجاهد {شَرَعَ لَكُمْ} [الشورى13 أوصيناك يا محمَّد وإيَّاه دينًا واحدًا.

…والصَّواب أوصيناك يا محمَّد وأنبياءه، كذا أخرجه عبد بن حُميد والفِرْيَابي والطَّبَري وابن المنذر في تفاسيرهم، وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضَّمير لنوحٍ وحده مع أنَّ في السِّياق ذكر جماعةٍ، انتهى.

…وإفراد الضمير لا يمتنع؛ لأنَّ نوحًا أفرد في الآية فلم يتعيَّن التَّصحيف، وغاية ما ذكر مِن مجيء التَّفسير بخلاف لفظه أن يكون المصنِّف ذكره بالمعنى.

…قال (( ع ) )أخرج أثر مجاهد عبد بن حُميد في «تفسيره» بسنده عنه، ورواه [34] ابْن المنذر بلفظ [35] «وصَّاه» ، وقوله «وإيَّاه» ، يعني نوحًا.

…قال وقد قيل إنَّ الَّذي وقع في أثر مجاهد تصحيف، والصَّواب أوصاك يا محمَّد وأنبياءه، وكيف يقول مجاهد بإفراد الضمير مع نوحٍ وحدَه، مع أن َّفي السياق ذكر جماعة.

…قلت ليس بتصحيف؛ بل هو صحيح، ونوح أفرد في الآية وبقيَّة الأنبياء عُطفت عليه، وهم داخلون فيما وصَّى به، ونوح أقرب المذكور [36] وهو أولى بعود الضَّمير، انتهى.

…فأخذ جواب الاعتراض فزاد فيه قليلًا وادَّعى أنَّه مِن تصرُّفه وليس كذلك.

…قوله (( دعاؤكم إيمانكم ) ).

…صنع فيه (( ع ) )نحو ما صنع فيما قبله مِن أخذه كلام (( ح ) )بحروفه وإِيهامه

ص 14

أنَّه مِنْ تصرفه لكن زاد فيه ونقص.

…في [37] قوله باب أيُّ الإسلام أفضل إلى أنْ قال قالوا يا رسول الله.

…قال (( ع ) )رواه مسلم والحسن بنُ سفيان وأبو يَعْلى في «مُسْنَدَيْهِمَا» عن سعيد بن يحيى شيخ البخاريِّ فيه بإسناده هذا بلفظه. قلنا ورواه ابن مَنْدَه مِن طريق حسين بن محمَّد القبَّاني أحد الْحُفَّاظ عن سعيد بن يحيى هذا لفظه [38] .

…قلت فتعيَّن أنَّ السَّائِلَ أبو موسى، ولا تَخَالُفَ بين الروايات لأنَّه في هذه صرَّح، وفي رواية مُسْلِمٍ أراد نفسه ومَن معه مِن الصَّحابة، أو الرَّاضي بالسُّؤال في حكم السَّائِل، وفي رواية البُخَاريِّ أَبْهَمَ السَّائِلَ وهو المراد، وقد سأل هذا السُّؤال أيضًا أبو ذَرٍّ رواه ابن حِبَّان، وعمير بن قتادة رواه الطَّبَرَانِيُّ.

…قال (( ع ) )مُغيرًا على هذا الفصل غير مناسب [39] له لمن حرَّره وتعب عليه فقال قوله «قالوا» فاعله «جماعة» ، ووقع في رواية مُسْلِمٍ والحسينِ بنِ سُفيان وأبي يَعْلى في «مُسْنَدَيْهِما» عن سعيد بن يحيى شيخ البخاريِّ بإسناده [40] المذكور بلفظة [41] «قلنا» ورواه ابن مَنْدَه من طريق حسين بن محمَّد القبَّاني أحد الْحُفَّاظِ عن سعيد بن يحيى بلفظة [42] (قلت) .فتعيَّن مِن هذا أنَّ [43] السَّائل هو أبو موسى وحدَه، ومِن رواية مُسْلِمٍ أنَّ أبا موسى أحد السَّائلين، ولا تنافي بين هذه الرِّوايات؛ لأنَّ في رواية البُخَاريِّ أخبر عن جماعة هو داخلٌ فيهم، وفي رواية مُسْلِمٍ صرَّح بأنَّه أحد جماعة السَّائلين.

…فإنْ قلت بين

ص 15

رواية «قالوا» ورواية «قلت» لا [44] منافاة.

…قلت لا؛ [45] لإمكان التعدد، وقد سأل هذا السؤال أيضًا اثنان مِن الصَّحابة، أحدهما أبو ذرٍّ وحديثه عند ابن حبَّان، والآخر عُمير بن قتادة وحديثه عند الطَّبَرانيِّ.

…فلم يزد إلَّا قوله «إمكان التَّعدد» ، ويرد عليه أنَّه لم ينحصر الأمر في التَّعدد؛ لأنَّ لقائل أن يقول الأصل عدم التَّعدُّد، والجمع بين الروايتين بغير الرَّدِّ واضحٌ، وهو أنَّ عادة الجماعة إذا سألوا عن شيءٍ أن يتولَّى الخطاب عنهم أحدهم، فحاصلُ الْجَمْعِ أنَّ جماعةً منهم أبو موسى اجتمعوا في السؤال عن ذلك، وكان [46] الَّذي باشر السؤال لهم هو [47] أبو موسى، فإن كان أبو ذرٍّ وعُمير ممَّن كان مع أبي موسى، وإلَّا فنسبة السُّؤال إلى كلٍّ منهم بطريق المجاز مع احتمال التَّعدُّد أيضًا.

…فصل ما تعمَّده هذا المعترض [48] وممَّا استلبه كما هو في قدر ورقة، وأكثر ما ساقه (( ح ) )في شرح باب إثم مَن كذب على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ ونظائر ذلك كثيرةٌ جدًا.

…وفي باب عِظَة الإمام النِّساء، فإنَّ فيه تعقَّبَ على الكِرْمَانيِّ نحو نصف صفحة قائلًا فيه «قلت» ثمَّ ساق كلام (( ح ) )بعينه مِن استلاب فوائد الَّذي سبقه كما هي مُوهمًا أنَّها [49] مِن تصرُّفه وتحصيله واستنباطه، لو وقع تتبُّعه بطريق الاسْتيعاب لطال الشرح جدًّا، لكن لم أكتب إلَّا ما طال فيه الاستلاب مِنْ غير أنْ يزيد مِنْ قِبَلِ نفسه شيئًا إلَّا ما يستحقُّ الخَدْش فيه، ووجدتُه أحيانًا يذكر ما يستلبه في غير المكان الَّذي اسْتَلَبَهُ منه؛

ص 16

لِظَنِّه أنَّه يخفى كما صنع في الكلام على حديث أنس «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» فإنَّه قال فيه إنَّ رواته [50] كلَّهم بصريُّون فوقع له مِن الغرائب أنَّ إسناد هذا كلُّهم بصريُّون، وإسناد الذي قبله كلُّهم كوفيُّون، والذي قبله كلُّهم مصريُّون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثَّلاثة على الولاء. انتهى.

…وهذا الكلام برمَّته قاله (( ح ) )في الكلام على حديث عبد الله بن عمر، ذكر [51] باب إطعام الطعام ما نصُّه رواة [52] هذا الإسناد كلُّهم مصريُّون، والذي قبله كلُّهم كوفيُّون، والَّذي بعده مِن طريقته [53] كلُّهم مصريون [54] ، فوقع له التسلسل في الأبواب الثَّلاثة على الولاء وهو مِن اللَّطائف.

…ومِن ذلك ما منعه في الكلام على إسناد هذا الحديث، فقد قال (( ح ) )قوله وعن حُسين المعلِّم هو معطوف على شعبة، والتَّقدير عن شعبة وحُسين وكلاهما عن قتادة، وإنَّمَا لم يجمعهما؛ لأنَّ شيخه أفردهما، فأوردَه المصنِّف معطوفًا اختصارًا، ولأنَّ شعبة قال عن قتادة.

…وقال حُسين حدَّثنا قتادة، وأغرب بعض المتأخِّرين فزعم أنَّ قوله وعن حُسين تعليق وهذا [55] غلط، فقد رواه أبو نُعيْم في «المستخرج» مِن طريق إبراهيم الحرْبي عن مُسَدَّد شيخ المصنِّف عن يحيى القطَّان عن حُسين المعلِّم.

…وأبدى الكِرْمَانيُّ بحسب التَّحرير العَقلي احتمال أن يكون تعليقًا أو معطوفًا على قتادة، فيكون شعبة رواه عن حُسين عن قتادة،

ص 17

وذلك ممَّا يغفو [56] عنه مَن مارس شيئًا مِن علم الإسناد.

…ثمَّ قال واللَّفظ الَّذي ذكر هنا لفظ [57] شعبة، وأمَّا لفظة [58] حُسين فهو في ما أخرجه الحَرْبي بلفظ «لا يُؤْمِنُ حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ وَلِجَارِهِ» إلى أن [59] قال وأمَّا طريق شُعبة فصرَّح أحمدٌ والنَّسائيُّ في روايتهما بسماع قتادة له مِن أنس فانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسه.

…قال (( ع ) )قوله عن حُسين، عطف على شعبة، فالتَّقدير عن حُسين وشعبة كلاهما عن قتادة، وإنَّما لم يجمعْهما؛ لأنَّ شيخَه أفردهما فأورده معطوفًا اختصارًا، ولأنَّ شعبة قال عن قتادة وحسين قال حدَّثنا قتادة.

…وقال بعض المتأخِّرين طريق حُسين مُعْلَّقَةٌ وهو غير صحيح، فقد رواه أبو نُعيم في «المستخرج» مِن طريق إبراهيم الحَرْبي عن مُسَدَّدٍ شيخ البخاري فيه عن يحيى القَطَّان عن حُسين المعلِّم.

…وقال الكِرْمَانيُّ قوله وعن حُسين عطف إمَّا على حدَّثنا مُسَدَّدٌ، فساق كلام الكِرْمَانيِّ بطوله، ثمَّ قال قلت وهذا كلُّه مبنيٌّ على حكم العقل وليس كذلك، وليس هو بعطف على مُسَدَّدٍ ولا على قتادة، وإنَّمَا هو عطف على شعبة كما ذكرنا.

…والمتن الذي ذكر هنا لفظ شعبة، وأمَّا لفظ حُسين هو [60] الَّذي رواه أبو نُعيم فذكره ثمَّ قال فإن قيل قتادة مُدلِّس. قلت قد صرَّح شُعبة عند أحمد والنَّسائي بسماع قتادة له مِن أنسٍ فانتفت تهمة تدليسه. انتهى.

…فأخذ كلام غيره فنسبَه لنفسه مِن غير اعتذار عنه، وقد صنع في الباب

ص 18

الَّذي يليه قريبًا مِن ذلك، وما ظننتُ أنَّ أحدًا يرضى لنفسه بذلك، وإذا تأمَّل مَن يُنْصِف هذه الأمثلة عرَف أنَّ الرَّجل هذا عريضُ الدعوى بغير مُوجب، مُتشبِّعٌ بما لم يُعْطه، مُنتَهبٌ لمخترعات غيره، ينسبها إلى نفسه من غير مراعاة عاتبٍ عليه وطاعِنٍ ممَّن يقف على كلامه وكلام مَن أغار عليه.

…ولو حلفتُ أنَّه لم يُخلِ بابًا من أبواب هذا الكتاب _على غزارتها_ مِن شيء مِن ذلك لَبَرَرْتُ، وشاهدي على ذلك عدلٌ مِن كلامه نصًّا لا اختصارًا؛ بل مصالقةً ومناهبةً حتَّى أنَّه يغفل فينقل لفظة [61] «قلت» الدَّالة على الاختراع له والاعتراض منه، ويكون ذلك كلُّه لمن سبقه.

…ومِن عجائب ما وقع له أنَّه بالغ في الإنْكار على مَن يأخذ ممَّن [62] سبقه فيحكيه ولا ينسبه لصاحبه، ثمَّ وقع فيما عابه من ذلك وبالغ في الإكثار، وسيأتي قريبًا في باب خوف المؤمن أن يحبط [63] عمله.

…قال (( ع ) )فيمن [64] يأخذ كلام غيره ولا ينسبه إليه ومِن عجيب ما وقع له أنَّه نقل عن الكِرْمَانيِّ شيئًا ولم يرضه، فردَّ عليه بكلام (( ح ) )قائلًا في أوله قلت مُوهمًا أنَّ ذلك مِن تصرُّفه وتتبُّعه واجتهاده.

…قال البخاري باب الكفيل في السَّلم، فذكر حديث عائشة اشترى رسول الله صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ طعامًا مِن يهودي نسيئةً [65] ، ورهنه له درعًا مِن حديد.

…قال (( ع ) )قيل ليس في هذا الحديث ما ترجم به، وأجاب الكِرْمَانيُّ بأنَّه إمَّا أن يُراد بالكفالة الضَّمان فلا شكَّ [66] أنَّ المرهون هنا مِن الدَّين [67] مِن حيث إنَّه يُباع فيه، وأمَّا أن يقيسه على الرَّهن بجامع

ص 19

كلٍّ منهما وثيقة، ولهذا [68] كلُّما صحَّ الرَّهن فيه صحَّ ضمانه وبالعكس.

…قال (( ع ) ) [69] قلت إثبات المطابقة بين هذا الحديث وبين التَّرجمة، فهذا [70] الكلام إنَّما هو بالجرِّ الثقيل، ومع هذا فالجواب الثَّاني بعض قرب، والأولى أن يُقال إنَّ عادته جرت أن يشير إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث.

…وقد روى في الرَّهن عن مُسَدَّدٍ عن عبد الواحد عن الأعمش تذاكرنا عند إبراهيم الرَّهن والقبيل في السَّلف، فذكر إبْراهيم هذا الحديث وفيه التَّصريح بالرَّهن والكفيل؛ أنَّ [71] القبيل هو الكفيل، وبهذا يُجاب عن قول الكِرْمَانيِّ ليس فيه ذكر السَّلم؛ لأنَّا نقول فيه ذكر السَّلف وهو السَّلم.

…وقريب [72] مِن هذا [73] ما وقع له في باب أحبُّ الدِّين إلى الله أدومه، ذكر كلام (( ح ) )بعينه في قصَّة الحَوْلاء بنت تُويتٍ [74] قائلًا «قلت» مُوهمًا أنَّه مِن تصرُّفه، ثمَّ لمَّا أمعنتُ النَّظر في كتابه رأيته أكْثَرَ مِن مثل هذا، لكنَّه أغنى عن التَّصريح بقوله «قلت» قليل بالنسبة إلى الأخذ بغير لفظه [75] .

…قلت وسيجزي الله تعالى كُلًّا بفعله وما الله بظلام للعبيد، ومِن هنا أشرع في بعض اعْتراضاته على ترتيب الكتاب والله الهادي للصَّواب.

[1] قوله (( في ) )زيادة من (س) .

[2] في الأصل و (د) «عوض» .

[3] في (س) «بنيته» .

[4] قوله (( تعالى ) )زيادة من (س) .

[5] قوله (( يجزى ) )زيادة من (س) .

[6] في جميع النسخ (( عامر بن سالم ) )، وفي غير (س) «الزميري» .

[7] في (س) و (ظ) «أو المراد» .

[8] قوله (( كما ) )زيادة من (س) و (ظ) .

[9] قوله «يتحنف» ليس في (س) .

[10] في (س) و (ظ) «قول» .

[11] في (س) «سألت» .

[12] قوله (( ذوو ) )زيادة من (د) و (س) و (ظ) .

[13] في (س) «واعتراضه» .

[14] في (س) «وهذا» .

[15] في (ظ) «أشرافًا» .

[16] هكذا في (س) وفي باقي النسخ (ع) .

[17] في الأصل (( مرة ) ).

[18] في (س) «خالفهم» .

[19] قوله (( ع ) )زيادة من (س) و (ظ) .

[20] في (س) «قصة» .

[21] في (س) «احتج» .

[22] في الأصل و (د) «الحافظ» .

[23] في (س) و (ظ) «موضع» .

[24] في (س) و (ظ) «تعليق التعليق» .

[25] كذا في (س) ، وفي غيرها «الاجتهاد» .

[26] في (س) «في» بلا واو.

[27] قوله «الطبراني» ليس في (س) .

[28] في (س) «يونس» .

[29] في (س) «ذلك» .

[30] في (س) «وكان» .

[31] في (س) «تحريره» .

[32] في (س) «التصحيف» .

[33] في (س) «ببيانه» .

[34] في (س) «رواه» .

[35] في (س) «بلفظه» .

[36] في (ظ) «مذكور» .

[37] قوله «في» ليس في (د) و (س) و (ظ) .

[38] في غير (س) «ولفظه» .

[39] في (س) و (د) «ناسب» .

[40] في (س) «بإسناد» .

[41] في (س) «بلفظ» .

[42] في (س) «بلفظ» .

[43] قوله (( أن ) )زيادة من (د) و (ظ) .

[44] قوله «لا» ليس في (س) .

[45] قوله (( لا ) )زيادة من (س) .

[46] في (س) «فكان» .

[47] قوله «هو» ليس في (س) .

[48] في (س) «المتعرض» .

[49] قوله «أنها» ليس في (س) .

[50] في (ظ) «رواية» .

[51] في (س) «وفي» .

[52] قوله «رواة» ليس في (س) .

[53] في (س) «طريقه» .

[54] في (د) و (س) «بصريون» .

[55] في (س) و (ظ) «وهو» .

[56] كأن في الأصول «يغفر» .

[57] قوله (( لفظ ) )زيادة من (س) .

[58] في (س) «لفظ» .

[59] قوله (( أن ) )زيادة من (س) و (ظ) .

[60] في (د) و (ظ) «وهو» ، وفي (س) «فهو» .

[61] في (س) «لفظ» .

[62] في (س) و (ظ) «من» .

[63] في (ظ) «يحبطه» .

[64] قوله «فيمن» زيادة من (د) و (س) .

[65] في (س) «بنسيئة» .

[66] في (س) و (ظ) «أشك» .

[67] في (س) «ضامن للدين» .

[68] في (س) «وهذا» .

[69] قوله (( ع ) )زيادة من (د) و (س) ، وغير واضحة في (ظ) .

[70] في (س) «بهذا» .

[71] في (د) و (س) و (ظ) «لأن» .

[72] زاد في (س) (( له ) ).

[73] قوله «من هذا» بياض في (س) .

[74] في الأصل و (د) و (ظ) «ثويب» .

[75] في (س) «لفظ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت